فضيحة إبستين... قراءة في أزمة العالم الأخلاقية

| أحمد الفضالة

حين‭ ‬تفجّرت‭ ‬فضيحة‭ ‬جيفري‭ ‬إبستين،‭ ‬حاول‭ ‬كثيرون‭ ‬حصرها‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬“جريمة‭ ‬أخلاقية‭ ‬فردية”،‭ ‬أو‭ ‬“انحراف‭ ‬شخصي”،‭ ‬أو‭ ‬“ثغرة‭ ‬قانونية”‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬كُشف‭ ‬من‭ ‬شبكات‭ ‬استغلال،‭ ‬واعتداءات‭ ‬ممنهجة‭ ‬على‭ ‬قاصرات،‭ ‬وتورّط‭ ‬نخب‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية،‭ ‬وصمت‭ ‬مؤسسات‭ ‬يفترض‭ ‬أنها‭ ‬حارسة‭ ‬للقيم،‭ ‬كان‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يُختزل‭ ‬في‭ ‬حادث‭ ‬عابر‭. ‬لقد‭ ‬كانت‭ ‬الفضيحة‭ ‬نافذة‭ ‬فاضحة‭ ‬على‭ ‬عمق‭ ‬الأزمة‭ ‬الأخلاقية‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬العالم‭ ‬المعاصر،‭ ‬عالم‭ ‬يتقدّم‭ ‬ماديًا،‭ ‬لكنه‭ ‬ينحدر‭ ‬إنسانيًا،‭ ‬ويُحسن‭ ‬صناعة‭ ‬الخطاب‭ ‬الحقوقي،‭ ‬بينما‭ ‬يعجز‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬الإنسان‭ ‬الضعيف‭ ‬حين‭ ‬يتعارض‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬مصالح‭ ‬الأقوياء‭.‬

حين‭ ‬تسقط‭ ‬الأقنعة

في‭ ‬قضية‭ ‬إبستين،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الانتهاك‭ ‬محصورًا‭ ‬في‭ ‬الجريمة‭ ‬نفسها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬التي‭ ‬سمحت‭ ‬بها،‭ ‬وتستّرت‭ ‬عليها،‭ ‬ثم‭ ‬حاولت‭ ‬طيّها‭. ‬حرية‭ ‬بلا‭ ‬أخلاق،‭ ‬وحقوق‭ ‬بلا‭ ‬مسؤولية،‭ ‬وقانون‭ ‬يُطبَّق‭ ‬على‭ ‬الضعفاء،‭ ‬ويُعلَّق‭ ‬عند‭ ‬أبواب‭ ‬النافذين‭. ‬وهنا‭ ‬تتجلّى‭ ‬المفارقة‭ ‬الكبرى‭. ‬الغرب‭ ‬الذي‭ ‬يملأ‭ ‬الفضاء‭ ‬الإعلامي‭ ‬حديثًا‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬المرأة‭ ‬والطفل،‭ ‬ويجعل‭ ‬منها‭ ‬سلاحًا‭ ‬سياسيًا‭ ‬ضد‭ ‬خصومه،‭ ‬هو‭ ‬ذاته‭ ‬الذي‭ ‬عجز‭ ‬–‭ ‬أو‭ ‬تواطأ‭ ‬–‭ ‬حين‭ ‬تعلّق‭ ‬الأمر‭ ‬بانتهاكات‭ ‬فادحة‭ ‬ارتُكبت‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬مجتمعاته‭. ‬إنها‭ ‬ليست‭ ‬أزمة‭ ‬أفراد،‭ ‬بل‭ ‬أزمة‭ ‬ميزان‭. ‬بل‭ ‬وصل‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬التستر‭ ‬على‭ ‬المتورطين‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬المتنفذين،‭ ‬فقد‭ ‬وصل‭ ‬بهم‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬ملف‭ ‬إبستين‭ ‬لتنسيق‭ ‬تسويات‭ ‬علنية‭ ‬‏تناقلها‭ ‬الإعلام،‭ ‬فها‭ ‬هو‭ ‬الغرب‭ ‬وأميركا‭ ‬“إذا‭ ‬سرق‭ ‬فيهم‭ ‬الشريف‭ ‬تركوه”‭.

 

الندوي‭... ‬حين‭ ‬رأى‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يره‭ ‬عصره

قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬80‭ ‬عامًا،‭ ‬كتب‭ - ‬عام‭ ‬1945م‭ - ‬المفكر‭ ‬الهندي‭ ‬أبو‭ ‬الحسن‭ ‬علي‭ ‬الحسني‭ ‬الندوي‭ ‬كتابه‭ ‬الشهير‭ ‬“ماذا‭ ‬خسر‭ ‬العالم‭ ‬بانحطاط‭ ‬المسلمين”‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الكتاب‭ ‬رثاءً‭ ‬لحضارة‭ ‬مضت،‭ ‬ولا‭ ‬بكاءً‭ ‬على‭ ‬أمجاد،‭ ‬بل‭ ‬تشخيصًا‭ ‬حضاريًا‭ ‬مبكرًا‭ ‬لفراغ‭ ‬أخلاقي‭ ‬قادم‭.‬

كتب‭ ‬الندوي‭ ‬–‭ ‬في‭ ‬معنى‭ ‬لافت‭ ‬–‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬حين‭ ‬فقد‭ ‬القيادة‭ ‬الإسلامية‭ ‬“فقد‭ ‬الميزان‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يزن‭ ‬به‭ ‬الأشياء،‭ ‬ويضبط‭ ‬به‭ ‬الشهوات،‭ ‬ويقيم‭ ‬به‭ ‬العدل”‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬يقصد‭ ‬سلطة‭ ‬سياسية،‭ ‬بل‭ ‬قيادة‭ ‬قيمية؛‭ ‬قيادة‭ ‬تجعل‭ ‬الإنسان‭ ‬غاية‭ ‬لا‭ ‬وسيلة،‭ ‬وتحول‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬الحرية‭ ‬إلى‭ ‬غابة‭.‬

 

حين‭ ‬تغيب‭ ‬القيم

يرى‭ ‬الندوي‭ ‬أن‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬أصاب‭ ‬العالم‭ ‬الحديث‭ ‬ليس‭ ‬التقدم‭ ‬المادي،‭ ‬بل‭ ‬“انفصال‭ ‬الحضارة‭ ‬عن‭ ‬الضمير،‭ ‬والعلم‭ ‬عن‭ ‬الأخلاق،‭ ‬والقوة‭ ‬عن‭ ‬الحق”‭. ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬كشفته‭ ‬فضيحة‭ ‬إبستين،‭ ‬قوة‭ ‬بلا‭ ‬رادع،‭ ‬ونفوذ‭ ‬بلا‭ ‬مساءلة،‭ ‬وإعلام‭ ‬ينتقي‭ ‬معاركه‭ ‬الأخلاقية‭ ‬وفق‭ ‬البوصلة‭ ‬السياسية‭ ‬لا‭ ‬الإنسانية‭.‬

 

الخيط‭ ‬واحد

وإذا‭ ‬كان‭ ‬إبستين‭ ‬قد‭ ‬كشف‭ ‬الوجه‭ ‬الخفي‭ ‬لانتهاك‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬غرف‭ ‬مغلقة،‭ ‬فإن‭ ‬غزة‭ ‬تكشف‭ ‬الوجه‭ ‬العلني‭ ‬لانتهاك‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬مرأى‭ ‬العالم‭. ‬أطفال‭ ‬يُقتلون،‭ ‬مدن‭ ‬تُمحى،‭ ‬حصار‭ ‬وتجويع‭ ‬وعقاب‭ ‬جماعي‭.. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يُعاد‭ ‬تعريف‭ ‬الجريمة،‭ ‬ويُشوَّه‭ ‬الضحية،‭ ‬ويُستدعى‭ ‬خطاب‭ ‬“حق‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس”،‭ ‬وهنا‭ ‬تُغلق‭ ‬أبواب‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭!‬

الميزان‭ ‬نفسه‭ ‬المختل،‭ ‬والمنظومة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬صمتت‭ ‬عن‭ ‬إبستين،‭ ‬تبرّر‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬غزة‭. ‬وهنا‭ ‬يستحضر‭ ‬الندوي‭ ‬فكرة‭ ‬محورية‭ ‬حين‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬العالم‭ ‬بدون‭ ‬القيم‭ ‬الإسلامية‭ ‬“لا‭ ‬يعرف‭ ‬عدلًا‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬يخدم‭ ‬مصالحه،‭ ‬ولا‭ ‬أخلاقًا‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬يحمي‭ ‬قوته”‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬الهيمنة‭ ‬الغربية‭ ‬يومًا‭ ‬عسكرية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬هيمنة‭ ‬سردية‭. ‬إعلام‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تضخيم‭ ‬قضايا‭ ‬وتغييب‭ ‬مجازر‭ ‬وتشويه‭ ‬ثقافات‭ ‬وإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬المفاهيم،‭ ‬فزواج‭ ‬القاصرات‭ ‬يُستدعى‭ ‬انتقائيًا‭ ‬لتشويه‭ ‬المجتمعات‭ ‬الإسلامية،‭ ‬بينما‭ ‬يُسكت‭ ‬عن‭ ‬شبكات‭ ‬استغلال‭ ‬جنسي‭ ‬موثقة‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬نفسه‭.‬

والرق‭ ‬يُستحضر‭ ‬كاتهام‭ ‬تاريخي،‭ ‬بينما‭ ‬يُتجاهل‭ ‬أن‭ ‬أشكال‭ ‬العبودية‭ ‬الحديثة‭ ‬–‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والجسدية‭ ‬والإعلامية‭ ‬–‭ ‬تُمارَس‭ ‬اليوم‭ ‬تحت‭ ‬لافتات‭ ‬“الحرية”،‭ ‬بل‭ ‬تعدت‭ ‬الاستغلال‭ ‬الجنسي‭ ‬حين‭ ‬استباحوا‭ ‬أكل‭ ‬لحوم‭ ‬الأطفال‭.‬

 

ماذا‭ ‬خسر‭ ‬العالم‭ ‬حقًا؟

يؤكد‭ ‬الندوي‭ ‬أن‭ ‬خسارة‭ ‬العالم‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬المسلمين‭ ‬كعدد،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬غيابهم‭ ‬“كحملة‭ ‬رسالة،‭ ‬وشهود‭ ‬على‭ ‬القيم،‭ ‬وأمناء‭ ‬على‭ ‬ميزان‭ ‬الإنسانية”‭. ‬وحين‭ ‬تخلّى‭ ‬المسلمون‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الدور،‭ ‬لم‭ ‬يملأ‭ ‬الفراغَ‭ ‬بديلٌ‭ ‬أخلاقي،‭ ‬بل‭ ‬ملأته‭ ‬المادية‭ ‬المتوحشة‭. ‬فضاعت‭ ‬كرامة‭ ‬الإنسان،‭ ‬قدسية‭ ‬الحياة،‭ ‬ومعنى‭ ‬العدالة،‭ ‬وبقيت‭ ‬القوة‭ ‬وحدها‭ ‬هي‭ ‬الحكم‭.‬

 

نبوءة‭ ‬تحقّقت

ختامًا‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬اليوم،‭ ‬من‭ ‬إبستين‭ ‬إلى‭ ‬غزة،‭ ‬ومن‭ ‬ازدواجية‭ ‬المعايير‭ ‬إلى‭ ‬انفصام‭ ‬الخطاب‭ ‬الحقوقي،‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬تحقّق‭ ‬عملي‭ ‬لنبوءة‭ ‬الندوي‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الرجل‭ ‬متشائمًا،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يرى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬زمنه،‭ ‬وحين‭ ‬سأل‭: ‬ماذا‭ ‬خسر‭ ‬العالم‭ ‬بانحطاط‭ ‬المسلمين؟‭ ‬كان‭ ‬يضع‭ ‬البشرية‭ ‬كلها‭ ‬أمام‭ ‬مرآة‭ ‬المستقبل‭.‬‭ ‬ويبقى‭ ‬السؤال‭ - ‬بعد‭ ‬8‭ ‬عقود‭ - ‬أكثر‭ ‬إلحاحًا‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭: ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬للعالم‭ ‬أن‭ ‬يستعيد‭ ‬إنسانيته‭ ‬دون‭ ‬استعادة‭ ‬ميزان‭ ‬أخلاقي‭ ‬حقيقي؟‭ ‬وهل‭ ‬آن‭ ‬للمسلمين‭ ‬أن‭ ‬يعودوا‭ ‬إلى‭ ‬قيمهم،‭ ‬لا‭ ‬دفاعًا‭ ‬عن‭ ‬أنفسهم‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬إنقاذًا‭ ‬للإنسانية‭ ‬من‭ ‬نفسها؟‭.‬

 

*كاتب‭ ‬بحريني