مُلتقطــات

ريمونتادا التلاحم!

| د. جاسم المحاري

في‭ ‬ظل‭ ‬الظروف‭ ‬الراهنة،‭ ‬تحضرني‭ ‬المقولة‭ ‬الشهيرة‭ (‬الوطن‭ ‬ليس‭ ‬ما‭ ‬نحيا‭ ‬فيه،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬نحيا‭ ‬من‭ ‬أجله‭)‬،‭ ‬كما‭ ‬أستذكر‭ ‬قصة‭ ‬ذلك‭ ‬الشاب‭ ‬البسيط‭ ‬“سالم”‭ ‬في‭ ‬قريته‭ ‬الصغيرة،‭ ‬والذي‭ ‬يمتهن‭ ‬إصلاح‭ ‬السفن‭ ‬دون‭ ‬أنْ‭ ‬يمتلك‭ ‬مالًا‭ ‬كثيرًا،‭ ‬فيما‭ ‬كان‭ ‬يحتضن‭ ‬قلبًا‭ ‬مليئًا‭ ‬بحب‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬نشأ‭ ‬عليها‭ ‬ويشمّ‭ ‬فيها‭ ‬رائحة‭ ‬الخبز‭ ‬في‭ ‬الصباح،‭ ‬وصوت‭ ‬المؤذن‭ ‬عند‭ ‬الغروب‭. ‬في‭ ‬أحد‭ ‬الأعوام،‭ ‬تحطّمت‭ ‬المراكب‭ ‬وغرقت‭ ‬البيوت‭ ‬وانغمرت‭ ‬الشوارع‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬ضربت‭ ‬عاصفة‭ ‬ساحل‭ ‬القرية،‭ ‬فوقف‭ ‬“سالم”‭ ‬بين‭ ‬أهل‭ ‬قريته‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يحملون‭ ‬الهمّ‭ ‬والخوف،‭ ‬وقال‭ ‬بصوت‭ ‬واثق‭: ‬سنبني‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تشابكت‭ ‬أيدينا،‭ ‬وإلا‭ ‬سنغرق‭ ‬جميعًا‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تفرقنا‭! ‬بعدها‭ ‬بدأ‭ ‬الجميع‭ ‬من‭ ‬الرجال‭ ‬والنساء‭ ‬والكبار‭ ‬والصغار‭ ‬العمل‭ ‬منذ‭ ‬ساعات‭ ‬الفجر‭ ‬الأولى،‭ ‬فتجد‭ ‬الأيدي‭ ‬المُتعبة‭ ‬تتبادل‭ ‬الأدوات‭ ‬وهي‭ ‬تحمل‭ ‬مقابض‭ ‬الدلاء،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬العيون‭ ‬المرهقة‭ ‬تتبادل‭ ‬الابتسامات‭ ‬وهي‭ ‬ترسم‭ ‬خطوط‭ ‬الأحجار‭.‬

هذه‭ ‬هي‭ ‬طبيعة‭ ‬الحال‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬فيها‭ ‬“قوة‭ ‬المجتمعات”‭ ‬في‭ ‬وحدة‭ ‬اجتماعية‭ ‬تمثل‭ ‬خط‭ ‬دفاعها‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬يبعث‭ ‬رسائل‭ ‬واضحة‭ ‬تُعزّز‭ ‬من‭ ‬اصطفافها‭ ‬الوطني‭ ‬وتصون‭ ‬من‭ ‬استقرارها‭ ‬الأهلي‭ ‬الذي‭ ‬يبرز‭ ‬في‭ ‬دعائم‭ ‬بنائها‭ ‬القوي‭ ‬وأفقها‭ ‬المتماسك‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬متنوعة‭ ‬من‭ ‬التعاون‭ ‬والتكاتف‭ ‬والترابط‭ ‬والتكامل‭ ‬بين‭ ‬أفرادها‭ ‬على‭ ‬منهاج‭ ‬تحقيق‭ ‬المعجزات‭ ‬وتوالي‭ ‬الانتصارات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كيان‭ ‬أسري‭ ‬يزرع‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬أفراده‭ ‬حبّ‭ ‬الأوطان‭ ‬والانتماء‭ ‬إليها،‭ ‬وجنبًا‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬فاعلية‭ ‬مؤسساته‭ ‬التعليمية‭ ‬التي‭ ‬تغرس‭ ‬القيم‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬نفوسهم‭ ‬التواقة‭ ‬وتشبثهم‭ ‬بهويتهم‭ ‬الوطنية‭ ‬الحقّة،‭ ‬وتحفزهم‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬الأوطان‭ ‬القوية‭ ‬وتعزيز‭ ‬التآلف‭ ‬وتمتين‭ ‬الأواصر‭ ‬التي‭ ‬تتفاقم‭ ‬فيها‭ ‬الوطنية‭ ‬ويُخلص‭ ‬بها‭ ‬العمل‭ ‬وتُطوّر‭ ‬لها‭ ‬الذات‭.

في‭ ‬إدراك‭ ‬يعكس‭ ‬حجم‭ ‬التحديات‭ ‬ويُوحد‭ ‬الصّف‭ ‬ويُرسّخ‭ ‬الثوابت‭ ‬ويُعزّز‭ ‬المسؤولية‭ ‬التي‭ ‬تنأني‭ ‬عن‭ ‬إضعاف‭ ‬الإجماع‭ ‬الوطني‭ ‬ولزوم‭ ‬تآزرها‭ ‬الملحمي‭ ‬الرصين‭.‬

 

نافلة‭: ‬

برهنت‭ ‬مظاهر‭ ‬التلاحم‭ ‬الوطني‭ ‬واستدامة‭ ‬الروح‭ ‬المعطاءة‭ ‬واستماتة‭ ‬التضامن‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أرجاء‭ ‬مملكتنا‭ ‬العزيزة‭ ‬البحرين،‭ ‬في‭ ‬“ريمونتادا”‭ ‬ملحمية‭ - ‬وهي‭ ‬كلمة‭ ‬إسبانية‭ ‬تعني‭ ‬العودة‭ ‬بقوة‭ ‬–‭ ‬ولاسيما‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الشدائد‭ ‬وعصيب‭ ‬الأزمنة‭ ‬ومحن‭ ‬الأزمات‭ ‬وقساوة‭ ‬الظروف‭. ‬وهي‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الحال،‭ ‬ليست‭ ‬بغريبة‭ ‬على‭ ‬أبناء‭ ‬هذا‭ ‬الشعب‭ ‬الكريم‭ ‬الذي‭ ‬درج‭ ‬منذ‭ ‬الأزل‭ ‬على‭ ‬غريزة‭ ‬حبّه‭ ‬للعمل‭ ‬التطوعي‭ ‬بمختلف‭ ‬المجالات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والصحية‭ ‬وغيرها،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬تفانيه‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬واجبه‭ ‬وإخلاصه‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬وطنه‭ ‬وصون‭ ‬حياضه‭ ‬في‭ ‬أبهى‭ ‬صور‭ ‬التلاحم‭ ‬المشرفة‭ ‬التي‭ ‬عكست‭ ‬وضوح‭ ‬الرؤية‭ ‬وثبات‭ ‬الموقف‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬المتوالية‭ ‬والتحولات‭ ‬المتسارعة‭ ‬من‭ ‬جانب،‭ ‬وصون‭ ‬المكتسبات‭ ‬الوطنية‭ ‬المتعاظمة‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر؛‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬مملكتنا‭ ‬الحبيبة‭ ‬أنموذجًا‭ ‬للدولة‭ ‬“الصلبة”‭ ‬في‭ ‬الاستقرار‭ ‬المؤسسي‭ ‬والمسؤولية‭ ‬المشتركة‭ ‬التي‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬الصف‭ ‬الداخلي‭ ‬ووضوح‭ ‬الولاء‭ ‬الوطني‭ ‬بين‭ ‬أبنائها‭. ‬

 

*كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني‭ ‬