الحروب وسباق الهمجية
| رضي السماك
قبل إعلان الهدنة الأميركية الإيرانية لوقف الحرب وفتح المجال للمفاوضات، استوقفتني في خطاب الرئيس الأميركي ترامب، فجر الأربعاء ما قبل الماضي الإحصائيات الدقيقة التي أعلنها عن الوقت الذي استغرقته بلاده في كل حرب خاضتها، بدايةً بالحرب العالمية الأولى: (عام واحد و7 أشهر و5 أيام)، فالحرب العالمية الثانية: (3 أعوام و8 أشهر و25 يومًا)، ومنتهيًا بغزو بلاده العراق (8 أعوام و8 شهور و28 يومًا)، ولم يستثن حتى فيتنام (19 عامًا و5 شهور و29 يومًا). ولسان حاله يقول بوضوح تام: ماذا يعني لو استمرت بلاده في حربها على إيران لسنوات بكل تبعاتها المدمرة على دول وشعوب المنطقة، وبكل ما تسببه من أزمات اقتصادية وعمرانية ومحن إنسانية متعددة الأوجه. لكن الحروب في حسابات الولايات المتحدة ليست سوى أرقام صماء لا تتعلم منها الدروس والعِبر والمراجعات، حتى لو لم تحظ بتأييد حقيقي من شعبها أو قام باحتجاجات ضد الكثير منها.
ولو أن مستشاريه الذين زودوه بتلك الأرقام أطلعوه بأن الحرب التي خاضها لأجل خاطر إسرائيل أدت إلى تدني شعبيته إلى 35 % (حسب استطلاع لمؤسسة يوغوف)، ولو أنهم أيضًا لم يكونوا مهووسين بإضرام الحروب، لتوخوا على الأقل تحقيق أهدافها دون الحاجة لخوضها، ولاستفادوا من مقولة القائد العسكري الصيني الشهير سون تزو (544 - 491 ق. م) “إن أعظم انتصار أن تهزم عدوك دون أن تقاتل، وأن فن الحرب يتمثل في تجنبها وإخضاع العدو لتسويات دون مجابهات دامية”. وحسب علم السياسة فإن التمسك بمبدأ الاستسلام غير المشروط بين أطراف الحرب هو الذي يطيلها، حتى يصل أحدهما إلى الإنهاك.
والحال فإن كلا الطرفين، الأميركي الإسرائيلي من جهة والإيراني من جهة أخرى، دخلا في سباق همجي مرعب من التصعيد المتبادل، وجر الطرف المعتدى عليه إلى ردود فعل طائشة طالت مصالح دول وشعوب المنطقة، وحتى ما يُوصف بصمود “الحرس الثوري” للنظام فقد جاء على حساب مصالح شعبه الذي ذاق ويلات هذه الحرب وأهوالها، بل وسيظل ردحاً من الزمن هو الذي سيدفع فواتيرها لا نظامه. والحق لم يكن يعيب طهران أن تستسلم في سبيل تجنيب شعبها تلك الويلات والأهوال، ثم تعمل على تغيير موازين القوى الإقليمية لتكون في صالحها، ولن تكون هي أول دولة في التاريخ تأخذ مثل هذا الخيار العقلاني، لكنها للأسف خاضت “المقاومة” ليس دفاعاً عن شعبها، بل لأنها مرعوبة من تقويض نظامها، وفي ذهنها ما جرى لنظام صدام حسين خلال الغزو الأميركي للعراق.
ولقد فوتت واشنطن فرصة ذهبية حينما كانت الشقيقة عُمان تتولى وساطة نزيهة للمفاوضات بين الطرفين تحظى بتأييد دول مجلس التعاون، ومن المفارقات أن من يرعى المفاوضات الآن هو طرف نووي لطالما اتهم برعاية منظمات إرهابية كطالبان، بل ومازال منكوباً بأوضاع داخلية سياسية غير مستقرة مقارنة بالراعي العُماني للمفاوضات الذي ينعم بالاستقرار الداخلي.
*كاتب بحريني