هل نحن ضحايا... أم شركاء في فوضى المحتوى؟

| هلا الخباز

‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬جلسة‭ ‬تقريبًا،‭ ‬يبدأ‭ ‬المشهد‭ ‬نفسه‭: ‬هاتف‭ ‬يُفتح،‭ ‬مقطع‭ ‬يُعرض،‭ ‬فنقترب‭ ‬جميعًا‭.. ‬لا‭ ‬لنتعلم‭ ‬بل‭ ‬لنتساءل‭. ‬كيف‭ ‬يجرؤ؟‭ ‬أين‭ ‬الرقابة؟‭ ‬هل‭ ‬يرى‭ ‬أهله‭ ‬ما‭ ‬يفعل؟‭ ‬لكن‭ ‬المفارقة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬ننتبه‭ ‬لها‭ ‬أننا‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬نفسها،‭ ‬نعيد‭ ‬عرض‭ ‬المقطع‭ ‬لنرفع‭ ‬نسبة‭ ‬المشاهدة‭ ‬لديه‭ ‬ونمنحه‭ ‬جمهورًا‭ ‬جديدًا‭.‬

معظم‭ ‬ما‭ ‬نتداوله‭ ‬اليوم،‭ ‬ليس‭ ‬محتوى‭ ‬بالمعنى‭ ‬الحقيقي،‭ ‬بل‭ ‬مقاطع‭ ‬تصنع‭ ‬لإثارة‭ ‬الجدل‭ ‬وتشاهد‭ ‬بدافع‭ ‬الملل‭ ‬والفضول،‭ ‬ثم‭ ‬تتحول‭ ‬بفضلنا‭ ‬إلى‭ ‬“ترند”،‭ ‬لذلك،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬غريبًا‭ ‬أن‭ ‬يمر‭ ‬أسبوع‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يظهر‭ ‬“نجم‭ ‬عابر”‭ ‬يُصنع‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬شيء،‭ ‬يسرق‭ ‬اللقطة‭ ‬ثم‭ ‬يستبدل‭ ‬بغيرة‭.‬

وفي‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬يظهر‭ ‬مقطع‭ ‬“فارغ”‭ ‬نراه‭ ‬ينتشر‭ ‬كالنار‭ ‬في‭ ‬الهشيم‭ ‬ونتساءل‭ ‬كيف‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬العدد‭ ‬من‭ ‬الناس؟‭ ‬وننسى‭ ‬أننا‭ ‬من‭ ‬الناس؟‭! ‬في‭ ‬أحد‭ ‬المقاطع‭ ‬التي‭ ‬اجتاحت‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬مؤخرًا‭ ‬ووصلتنا،‭ ‬طفل‭ ‬صغير‭ ‬يدعى‭ ‬“عصام”‭ ‬استبدل‭ ‬حقيبته‭ ‬المدرسية‭ ‬بساندويتش‭.. ‬الموقف‭ ‬طريف‭ ‬جدًّا،‭ ‬مشهد‭ ‬وتصرف‭ ‬بسيط،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬بسيطاً‭.. ‬لأنه‭ ‬خلال‭ ‬أيام‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬ترند‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬قضية‭ ‬رأي‭ ‬عام،‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬استدعت‭ ‬تفاعل‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية،‭ ‬وبالتوازي‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬تسويقية‭ ‬يتسابق‭ ‬التجار‭ ‬لاستثمارها‭! ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬السريع‭ ‬لا‭ ‬يفسره‭ ‬المقطع‭ ‬بل‭ ‬يفسره‭ ‬سلوكنا‭ ‬تجاهه‭.. ‬لقد‭ ‬شاهدناه،‭ ‬ثم‭ ‬ناقشناه،‭ ‬ثم‭ ‬نشرناه،‭ ‬ثم‭ ‬منحناه‭ ‬حجمًا‭ ‬أكبر‭ ‬مما‭ ‬يحتمل‭.. ‬وهكذا‭ ‬وعلى‭ ‬هذا‭ ‬المنوال‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬يومًا‭ ‬متفرجين‭ ‬على‭ ‬القصة،‭ ‬بل‭ ‬شركاء‭ ‬في‭ ‬صناعتها‭. ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬القديم،‭ ‬كانت‭ ‬القيمة‭ ‬تُقاس‭ ‬بالذهب‭.. ‬أما‭ ‬اليوم‭ ‬فتقاس‭ ‬بالانتباه،‭ ‬إنها‭ ‬العملة‭ ‬الأخطر‭ ‬في‭ ‬وقتنا‭ ‬الحالي‭.. ‬كل‭ ‬مشاهدة،‭ ‬كل‭ ‬إعجاب،‭ ‬كل‭ ‬تعليق‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬تفاعل‭ ‬عابر‭ ‬بل‭ ‬إشارة‭ ‬تقول‭ ‬للخوارزميات‭ ‬“هذا‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬أكثر”.

في‭ ‬دراسة‭ ‬منشورة‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬Nature Communications‭ ‬حلّلت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليون‭ ‬منشور،‭ ‬وأثبتت‭ ‬أن‭ ‬سلوك‭ ‬المستخدمين‭ ‬على‭ ‬المنصات‭ ‬يخضع‭ ‬لما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ‭ ‬“التعلّم‭ ‬بالمكافأة”،‭ ‬حيث‭ ‬تدفع‭ ‬“الإعجابات”‭ ‬الناس‭ ‬لتكرار‭ ‬نفس‭ ‬السلوك‭ ‬الذي‭ ‬جلب‭ ‬لهم‭ ‬التفاعل‭.‬

ولكن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬علينا‭ ‬طرحه‭.. ‬لماذا‭ ‬نتفاعل‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬نرفضه؟

هنا‭ ‬تبدأ‭ ‬المفارقة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نشارك‭ ‬هذا‭ ‬المحتوى‭ ‬لأننا‭ ‬نحبه،‭ ‬بل‭ ‬لأننا‭ ‬نشعر‭ ‬بشيء‭ ‬تجاهه‭: ‬استفزاز‭.. ‬دهشة‭.. ‬غضب‭. ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬سخرية،‭ ‬لكن‭ ‬الدماغ‭ ‬لا‭ ‬يفرق‭ ‬كثيرًا‭.‬

الأبحاث‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬المحتوى‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬نوعه،‭ ‬يحفز‭ ‬نظام‭ ‬المكافأة‭ ‬في‭ ‬الدماغ‭ ‬عبر‭ ‬إفراز‭ ‬الدوبامين،‭ ‬وهو‭ ‬الهرمون‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمتعة‭ ‬والتكرار‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬دراسات‭ ‬حديثة‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مجرد‭ ‬“التمرير”‭ ‬المستمر‭ (‬scrolling‭) ‬أصبح‭ ‬سلوكًا‭ ‬قائمًا‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬حيث‭ ‬يحصل‭ ‬الدماغ‭ ‬على‭ ‬دفعات‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬المكافأة‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬محتوى‭ ‬جديد‭.. ‬وهنا‭ ‬تتحول‭ ‬التجربة‭ ‬من‭ ‬اختيار‭ ‬إلى‭ ‬عادة‭.‬

وفي‭ ‬تجربة‭ ‬يومية‭ ‬بسيطة‭ ‬تمارسها‭ ‬يوميًّا‭.. ‬تفتح‭ ‬هاتفك‭ ‬لدقائق‭ ‬تتجول‭ ‬بين‭ ‬المقاطع‭ ‬لتضحك‭ ‬على‭ ‬هذا،‭ ‬وتندهش‭ ‬من‭ ‬هذا،‭ ‬وتنزعج‭ ‬من‭ ‬ذاك،‭ ‬ثم‭ ‬تغلق‭ ‬الهاتف‭ ‬لكنك‭ ‬لا‭ ‬تخرج‭ ‬كما‭ ‬دخلت‭.. ‬فنحن‭ ‬لا‭ ‬نستهلك‭ ‬المحتوى،‭ ‬نحن‭ ‬نتشكل‭ ‬به،‭ ‬شيء‭ ‬ما‭ ‬يتغير‭. ‬حيث‭ ‬تشير‭ ‬الأبحاث‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التفاعل‭ ‬المتكرر‭ ‬مع‭ ‬المحتوى‭ ‬الرقمي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬الانتباه،‭ ‬المزاج،‭ ‬وحتى‭ ‬طريقة‭ ‬إدراكنا‭ ‬للواقع‭.‬

ومع‭ ‬الوقت،‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬السؤال‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬نشاهده؟‭ ‬بل‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬أصبحنا‭ ‬عليه‭ ‬بسبب‭ ‬ما‭ ‬نشاهده؟

نحن‭ ‬ضحايا‭ ‬لتصميم‭ ‬منصات‭ ‬ذكية،‭ ‬تعرف‭ ‬كيف‭ ‬تجذب‭ ‬انتباهنا،‭ ‬وتستغل‭ ‬حاجتنا‭ ‬للفضول‭.. ‬فهي‭ ‬تبنى‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬بسيط‭ ‬“كلما‭ ‬بقيت‭ ‬أكثر،‭ ‬ربحت‭ ‬أكثر”‭. ‬ولتحقيق‭ ‬ذلك‭ ‬تستخدم‭ ‬تقنيات‭ ‬المكافأة‭ ‬غير‭ ‬المتوقعة،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬متى‭ ‬سيظهر‭ ‬لك‭ ‬شيء‭ ‬مثير‭.. ‬فتبقى‭.‬

نحن‭ ‬ضحايا‭ ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬أبرياء؟‭! ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نصنع‭ ‬الخوارزميات‭ ‬ولكننا‭ ‬نغذيها،‭ ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نخطط‭ ‬الانتشار‭ ‬بل‭ ‬نمنحه،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬يقول‭ ‬الفيلسوف‭ ‬جان‭ ‬بول‭ ‬سارتر‭: ‬“الإنسان‭ ‬محكوم‭ ‬عليه‭ ‬بالحرية”،‭ ‬فحتى‭ ‬في‭ ‬أبسط‭ ‬قرار‭.. ‬زر‭ ‬المشاركة‭ ‬نحن‭ ‬نختار‭. ‬صدقني‭ ‬المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬المحتوى‭ ‬دومًا‭... ‬بل‭ ‬في‭ ‬علاقتنا‭ ‬به،‭ ‬فالمحتوى‭ ‬الهابط‭ ‬ليس‭ ‬ظاهرة‭ ‬جديدة‭ ‬لكن‭ ‬الجديد‭ ‬سرعة‭ ‬تضخيمه،‭ ‬ففي‭ ‬الماضي‭ ‬كان‭ ‬يمر‭ ‬ولكنه‭ ‬اليوم‭ ‬يتحول‭ ‬لموجة،‭ ‬المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬صانعه‭ ‬عبقري،‭ ‬بل‭ ‬لأننا‭ ‬جميعًا‭ ‬شاركنا‭ ‬في‭ ‬انتشاره‭.‬

الحل‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬حملات‭ ‬كبيرة،‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬قوانين‭ ‬معقدة،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬لحظة‭ ‬وعي‭.. ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬تغير‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬فحين‭ ‬يظهر‭ ‬أمامك‭ ‬محتوى‭ ‬غير‭ ‬لائق‭ ‬تجاوزه‭.. ‬لا‭ ‬تشاهده‭.. ‬أبلغ‭ ‬عنه‭.‬

نحن‭ ‬لسنا‭ ‬ضحايا،‭ ‬ولسنا‭ ‬شركاء‭.. ‬بل‭ ‬متفرجين‭ ‬فاعلين‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الرمادية،‭ ‬لكن‭ ‬الفرق‭ ‬الحقيقي‭ ‬يصنعه‭ ‬قرار‭ ‬صغير‭ ‬جدًّا‭ ‬بهل‭ ‬سنكون‭ ‬وقودا‭ ‬للفوضى‭ ‬أم‭ ‬قناديل‭ ‬للوعي؟

 

كاتبة‭ ‬ومستشارة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬العامة‭ ‬وصناعة‭ ‬الصورة‭ ‬الذهنية