وطن يكبر فينا... لا نكبر فيه

| ندى نسيم

حبُّ‭ ‬الوطن‭ ‬فطرة‭ ‬سوية،‭ ‬لا‭ ‬تحتمل‭ ‬التأويل،‭ ‬ولا‭ ‬تقبل‭ ‬الجدل‭. ‬هو‭ ‬شعورٌ‭ ‬يولد‭ ‬مع‭ ‬الإنسان‭ ‬منذ‭ ‬لحظاته‭ ‬الأولى،‭ ‬منذ‭ ‬النفس‭ ‬الأول‭ ‬والهمس‭ ‬الأول،‭ ‬فيتشكل‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬دون‭ ‬تعليم‭ ‬أو‭ ‬تلقين‭. ‬لذلك،‭ ‬يصعب‭ ‬أحيانًا‭ ‬تفسير‭ ‬ماهية‭ ‬الوطن،‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬كونه‭ ‬مكانًا‭ ‬نعيش‭ ‬فيه،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬كيانٌ‭ ‬يسكننا‭ ‬ويتغلغل‭ ‬في‭ ‬أعماقنا‭.‬

إن‭ ‬الأصل‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬الوطن‭ ‬هو‭ ‬الوفاء‭ ‬والانتماء‭ ‬لتلك‭ ‬الأرض‭ ‬الطيبة‭ ‬التي‭ ‬ننتمي‭ ‬إليها‭ ‬روحًا‭ ‬وهوية‭. ‬فحب‭ ‬الوطن‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬شعور‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬انعكاسٌ‭ ‬لنقاء‭ ‬الفطرة‭ ‬الإنسانية‭ ‬وسواء‭ ‬الشخصية‭. ‬وعلى‭ ‬النقيض،‭ ‬فإن‭ ‬غياب‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭ ‬يستدعي‭ ‬الوقوف‭ ‬والتأمل،‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬يعكس‭ ‬اضطرابًا‭ ‬في‭ ‬القيم،‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬الخيانة‭ ‬والغدر،‭ ‬وهي‭ ‬أمراض‭ ‬قلبٍ‭ ‬وفكرٍ‭ ‬ونفس،‭ ‬يرفضها‭ ‬كل‭ ‬مجتمع‭ ‬سليم‭.‬

نحب‭ ‬الوطن‭ ‬كما‭ ‬نحب‭ ‬الأم؛‭ ‬حبًّا‭ ‬خالصًا‭ ‬بلا‭ ‬مقابل،‭ ‬لكنه‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬دينًا‭ ‬أخلاقيًا‭ ‬يدفعنا‭ ‬لرد‭ ‬الجميل‭. ‬وتتجلى‭ ‬صور‭ ‬الوفاء‭ ‬لهذا‭ ‬الوطن‭ ‬في‭ ‬ميادين‭ ‬متعددة،‭ ‬كلٌّ‭ ‬بحسب‭ ‬دوره‭ ‬ومجاله،‭ ‬وبحسب‭ ‬وعيه‭ ‬بأهميته‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭. ‬فحتى‭ ‬الكلمة‭ ‬الطيبة،‭ ‬والدعوة‭ ‬الصادقة،‭ ‬تعدان‭ ‬تعبيرًا‭ ‬صادقًا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الانتماء‭ ‬الفطري‭. ‬فكيف‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬هو‭ ‬البحرين؟‭ ‬هنا‭ ‬تقف‭ ‬الكلمات‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬ترجمة‭ ‬المشاعر‭. ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬أرضٍ‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬وطنٍ‭ ‬يكبر‭ ‬فينا،‭ ‬لا‭ ‬نكبر‭ ‬فيه‭.. ‬وطنٍ‭ ‬يسري‭ ‬في‭ ‬عروقنا،‭ ‬ويملأ‭ ‬مساماتنا،‭ ‬نفرح‭ ‬لفرحه‭ ‬ونتألم‭ ‬لألمه‭.‬

إن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الوطن‭ ‬شعور‭ ‬يفوق‭ ‬الوصف،‭ ‬فالوطن‭ ‬يشكّل‭ ‬هويتنا‭ ‬الأولى،‭ ‬تلك‭ ‬الهوية‭ ‬التي‭ ‬تتكون‭ ‬قبل‭ ‬حتى‭ ‬الهوية‭ ‬الأسرية‭. ‬فنحن‭ ‬حين‭ ‬نعرّف‭ ‬أنفسنا،‭ ‬نقول‭: ‬نحن‭ ‬البحرين‭. ‬فحفظ‭ ‬الله‭ ‬الوطن،‭ ‬وقائد‭ ‬الوطن،‭ ‬وشعب‭ ‬الوطن‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬سوء‭ ‬ومكروه‭.‬

‭* ‬كاتبة‭ ‬واختصاصية‭ ‬نفسية‭ ‬بحرينية