الشفقة والمشنقة

| سيد ضياء الموسوي

هذه قناعتي منذ ثلاثين عاما وأنا أتجول على خريطة الدولة الدينية في إيران، وفي قراءتي الأركيولوجية الحفرية لبقية الحركات الإسلاموية، أن الإسلام السياسي لا يمتلك مقدرة على الحكم وإدارة بلد بأي صيغة كانت وبأي مذهب، لا “الإخوان” ولا “داعش” ولا “إيران”. فمع مرور الوقت يتحول الحكم إلى سياف ديني يحمل خنجرا مؤدلجا ليغرسه في لحم الحضارة، وتتحول الشفقة إلى مشنقة، وفي نهاية المطاف تخير شعبها بين الحلويات والحاويات، والشباب يتحول من الرقص فرحا على مسرح الحياة إلى الرقص من شدة الذبح. هكذا كان مسلخ “الإخوان” في مصر، و “داعش” في الموصل، وذاته المسلخ الإيراني. لا يبنون وطنا بل كفنا، والشباب مشاريع استشهاد تُقَدّم توابيت مغلفة بالغيبيات لتتكدس أمام نهر جنة هم اختلقوها، مخالفة لجنة القرآن. مع تراكم الأوجاع في الجنوب اللبناني، سيصل شيعة لبنان تحديدا إلى ما يسمى سوسيولوجيا بـ “الإنهاك العقائدي”، والانغلاق الوجودي القاتل، والاكتئاب العام. ويُراد من “الإنهاك العقائدي” ردة فعل يائسة من الدين عندما يستيقظ المؤدلج المتدين من حشيش الأفكار المسيسة بالغيبيات، بأن وجبات الحشيش أخرجته من الواقع وقادته إلى مسالخ ومذابح ومحارق حزبية ليس لها علاقة بالوجود، عندما يجد كل الأبواب مغلقة، وشعوره بالضياع الوجودي والغربة القدرية وحتى المجتمعية. سيكولوجيا تسمى بالصدمة المعقدة وما يليها من اضطراب ما بعد الكرب.  المغامرات في السياسة تفضي إلى صدمات وجودية، وأسئلة قدرية قد تقوده إلى هلوسات إلحادية إذا لم يتم استيعابه سريعا بأقراص تسكين علمية تخفف من حجم الانكشاف الفاضح للشعارات، ولكل الأعراض الانسحابية التي تظهر عليه عند ذوبان الشعارات كملح في ماء كأس واقع مر كان يراه عسلا شهيا. هنا تأتي خطورة انغلاق الأبواب واحدا تلو الآخر أمام هذا الإنسان المسكين الذي تقاسمته الشعارات الثورية، ومخدرات الأحزاب، وحشيش المغيبات عن الواقع. ما تعيشه الضاحية في جنوب لبنان وبقية شيعة الجنوب عاشته الأمة العربية بعد هزيمة 67 وانهيار المشروع القومي الناصري، وكذلك ما حدث للعراقيين بعد تبخر “ثورجية” عبد الكريم قاسم في العراق، وكذلك ما عاشته جماهير الحركات الشيوعية عند انهيار الاتحاد السوفيتي، وكذلك بسقوط المشروع البعثي لصدام حسين، وأخيرا سقوط القسم السوري من “البعث” بهروب بشار.  شعوب منهوكة من الشعارات والصدمات والمغامرات، ومن تكدس مشاريع نرجسية عنترية غير قادرة على توفير الضمانات والضمادات. والتاريخ يتكرر بالأخطاء ذاتها، وينتهي بالفجائع ذاتها، وكما يقول محمود درويش “النهاية بنت البداية”. إيران ابتدأت بكارثية خطيئة تصدير الثورة، واختزال التشيع في قطعة سلاح، وها هي تصل لنهاية الأخطاء والكوارث ذاتها.. انتحار ثوري بعد 47 عاما من توظيف الموت في بورصة السياسة، مع ارتفاع وانخفاض أسهم الأكفان على طاولة القمار العالمي بإعلانات تسويقية لمفاهيم الشهادة والخلاص والجنة. وكم كتبتُ عشرات المقالات ناصحا قادة إيران، وكل الحركات الإسلامية من خطورة الانتحار، لكنني كنت كمن يصرخ في برية. فمن أخطاء المنهج الثوري الإيراني: خطأ التأسيس والدولة الدينية: ماذا لو كان تأسيس إيران على طريقة سنغافورة والرئيس لي كوان يو؟ أو على منهج كوريا الجنوبية لا كوريا الشمالية؟ تصدير الثورة: ماذا لو استُبدل تصدير الثورة بتصدير التكنولوجيا والإبداع كما كان خيار اليابان بعد الحرب العالمية الثانية؟ الميليشيات: كم ستوفر من المليارات لشعبها بدلا من تبخر المليارات على طوباوية الأفكار وديماغوجية شعارات ميتافيزيقية لا تسبب إلا انفصاما وانفصالا عن الواقع؟ الخطاب الثوري: ما الذي استفاده الشعب الإيراني وكل المناطق التي دخلتها إيران بخطابات ثورية؟ حيث تحولت إلى محارق للقرى ولشباب في عمر الزهور ضاعت أعمارهم لأجل رومانسية ثورية؛ فسقطت زهور أعمارهم على توابيت الوجود أضلعا وأكفانا وموت أحلام “اختطاف الشيعة للحانوت”.   حلم الإمبراطورية: كل من حلم بإمبراطوريات نرجسية فوقية سقط، من الإمبراطورية الرومانية إلى الفارسية، إلى حلم نابليون بونابرت الإمبراطوري، إلى الإمبراطورية العثمانية. وهنا تكمن خطورة النرجسية إذا تحولت إلى دولة ومنهج ثوري أيضا. الدكان الديني و “السوبر ماركت” الطائفي: يضيع الدين ويزيد الطائفة عزلة وتتكدس الكراهيات، ويشيع وحش التعميم. تحويل التاريخ إلى مخدرات: يقود إلى مكر التاريخ كما يعبر هيجل، ويحول الدولة إلى سراب ورماد وبخار. كم أتمنى أن يستيقظ كل من تورط في الثورية والأدلجة ليفهم الواقع ويعيش التنوير وكيف يقاد العالم، وأن أكبر سلاح هو سلاح العلم والإنسانية والاقتصاد والتنوير، وتحويل الجرح إلى درع، وأن القوي هو قوي العلم والاقتصاد والقيم الكونية. في ظل هدنة هشة، إيران بحاجة إلى اعتذار من الخليج عما فعلته. وهنا نبارك للخليج قادة وشعوبا لكل هذه القوة والإرادة والتلاحم والصمود والصبر. لقد أثبتنا أن الخليج كان بحجم التحدي وبحجم الحدث، وكم كان حكيما وعظيما قادة وشعوبا.