إدارة الإدراك
| د.حورية الديري
من يتابع وسائل الإعلام البحرينية يدرك القيمة الحقيقية للإعلام الهادف، إذ تتحدد قيمة الإعلام في لحظات الأزمات حين يتجاوز دور النقل إلى مستوى أعمق، حيث يصبح فاعلًا في تشكيل إدراك المجتمع لما يحدث. في هذه اللحظات، لا تكون المعلومة كافية بذاتها، إنما تكتسب أهميتها من الطريقة التي تُقدَّم بها، ومن السياق الذي تُوضع فيه. وتعتمد إدارة الأزمات على عنصرين متكاملين: الفعل على الأرض، والصورة التي تتشكل في وعي الناس، فحين تُبنى هذه الصورة عبر خطاب إعلامي قادر على تقديم الحدث بصورة متماسكة فإنها تمنح الجمهور فهمًا واضحًا وتقلل مساحة القلق. كما يتجاوز الإعلام وظيفة الإخبار إلى إدارة الإدراك العام؛ فكل رسالة، وكل مفردة، تسهم في تشكيل الانطباع وتوجيه تفسير الحدث داخل المجتمع. ويتطلب هذا الدور دقة عالية ووعيًا بالأثر النفسي للمعلومة، إذ يعمل الخطاب الإعلامي الناضج على ضبط الإيقاع، فلا ينجرف مع سرعة التداول، ولا يكتفي بعرض الوقائع دون تفسير، إذ يربطها بسياقها ويمنح المتلقي قراءة متزنة بعيدًا عن الانفعال. ويبرز هذا الفهم في مملكة البحرين من خلال التكامل بين المؤسسات الرسمية وجهود وزارة الإعلام في تعزيز الوعي، إذ يُبنى الخطاب على أسس من المسؤولية، ويُقدَّم الحدث ضمن سياق يعزز الثقة ويحد من الغموض، بما يعكس إدراكًا لطبيعة الإعلام كعنصر أساسي في إدارة المشهد. أما التحدي الأبرز فيتمثل في الفضاء الرقمي، حيث تتسارع المعلومات وتتشابك، ما يفرض على الإعلام المهني دورًا أكبر في تثبيت الحقائق وتقديمها بصورة متزنة. فباتت القدرة على التحقق واختيار توقيت النشر جزءًا من إدارة الإدراك. والإعلام الذي ينجح في هذا الدور يسهم في تهدئة المشهد عبر خطاب يركز على الفهم والتحليل، ويبتعد عن الإثارة، ويعزز حضور العقل. وفي المقابل، يظل وعي المجتمع عاملًا حاسمًا، فالتفاعل المسؤول مع المعلومة والاعتماد على المصادر الموثوقة يعززان من قدرة الإعلام ويحدان من تأثير المعلومات غير الدقيقة. وبذلك، تصبح إدارة الإدراك عملية مشتركة تتكامل فيها المهنية مع الوعي المجتمعي، وكلما تحقق هذا التكامل ازدادت قدرة المجتمعات على مواجهة الأزمات بثبات واتزان. هكذا يتجلى دور الإعلام البحريني في بناء للمعنى، وضبط للإيقاع، وصياغة لإدراك يمنح المجتمع القدرة على الفهم والاستمرار بثقة.
كاتبة وأكاديمية بحرينية