الجغرافيا لن تتغير.. والحرب دروس
| د. أحمد بن سالم باتميرا
الجغرافيا لن تتغير، والتاريخ سيكتب لاحقًا عن الأحداث والحرب بكل مصداقية، من بادر بإشعالها وما أهدافها، وطالما كانت الحروب سببًا رئيسًا في خلق المشكلات والأزمات، لذا علينا أن نتمسك بالجغرافيا ونقترب منها ونطوعها كل حسب مصالحه دون ضرر أو ضرار أو تدخل في شؤون الآخرين، ويمكن أيضا توقيع اتفاقيات وتعاون بين دول الجوار بعيدا عن التاريخ والخوارزميات السياسية. فالمنطقة تعيش حربًا عسكرية قوية لأميركا وإسرائيل ضد إيران، وأكثر المتضررين من هذه الحرب دولنا الخليجية التي طالتها المسيرات والصواريخ من كل حدب وصوب، لكن حكمة قادة دول مجلس التعاون أوقفت هذا المخطط، متجاوزين هذا المنعطف الخطير. لا مناص من الجغرافيا، ولا مهرب من التاريخ حقا، ولكن التاريخ يحرّف ويسهل تجاوزه، وعلينا استغلال الجوار لخلق مبادئ ثقة لاستشراف المستقبل بعيدا عن التوترات والأدخنة السامة المتصاعدة من الغرب وإعلامه ودوائره الخلفية التي تسعى للتفرقة وخلق أزمة سياسية عدائية بين دول الجوار. فعلى خلفية الأحداث الأخيرة بين أميركا وإسرائيل وإيران، ظهرت على السطح خفايا كانت مجهولة، تعرفها الدول وقادتها، ففي خضم هذه الأجواء الساخنة، تحركت دول عديدة كعادتها للتهدئة وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة، ولا تزال سلطنة عمان تتسيد هذا الموقف والنهج لتغليب لغة العقل والحكمة على التصعيد العسكري وتحذو حذوها كل دول مجلس التعاون الخليجي ومصر وباكستان وتركيا.
ومن هنا تبرز أهمية الوعي المجتمعي الخليجي في التعامل مع ما يتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصًا أن الكثير من المعلومات المتداولة لا تستند إلى مصادر موثوقة، وأهدافها واضحة، والحرب الحالية تتطلب عدم الانجرار خلف الشائعات، والوعي وعدم الانخداع بالشعارات لما يحاك ضدنا فهو خط الدفاع الأول للخروج من هذه الأزمة بأقل الأضرار. صحيح أن هذه الأزمة، والأزمات السابقة أيضًا كشفت لنا الكثير من الأمور التي تتطلب التكامل في ظل التحديات الكبرى التي تحاك للمنطقة والعالم من حولنا، الأمر الذي يتطلب التنسيق السياسي والاقتصادي والأمني بيننا حتى نحمي أوطاننا ومجتمعاتنا من شر الحروب والأزمات القادمة. وعلينا التمعن كثيرًا في الأخطار المحدقة بنا، وما تفكر فيه إسرائيل التي لا تبحث عن السلام نهائيًّا بل عن التوسع والسيطرة والتمدد شرقًا وغربًا، وأميركا التي همها الاستحواذ على النفط والغاز، فهذه الحرب صنيعة اللوبي الإسرائيلي والماسونية الخفية. لا نعرف متى تتوقف هذه الحرب، لأن كل الأطراف متمسكة بمواقفها وشروطها، والأهداف الأميركية الترامبية تتغير وفق المصالح، وليس وفق متطلبات الدول المتضررة والحلفاء، وهذا يجعلنا في حالة من عدم التفاؤل بنجاح الوساطات لتقريب وجهات النظر، إلا إذا نالت إسرائيل ضربات في عمقها الاقتصادي أو وقعت كارثة لم تكن في الحسبان. فالحديث عن المستقبل متروك لما بعد الحرب، ومضيق هرمز سيبقى ممرًّا دوليًّا، والاعتداء على دول مجلس التعاون الخليجي لن يؤثر على قوة نسيجها، وأن نتعامل مع الحقائق بروح الجغرافيا، لاستقرار المنطقة، والشكر موصول لمن فتح أبوابه من مطارات وموانئ لسكان دول الخليج بتأمين سلاسل الإمداد لدول المجلس كافة، فنحن نسيج وعائلة واحدة.. والله من وراء القصد.
* كاتب ومحلل سياسي عماني