حين نعيش الحدث... ولا نشعر به

| د. نجيب الغربال

نعيش أحياناً في قلب الحدث من دون أن نشعر بثقله الحقيقي، نسمع الأخبار، نتابع، لكن نكمل يومنا بشكل طبيعي وكأن شيئاً لم يتغير، ليس لأن ما يجري بعيد عنا، بل لأننا مع الوقت نتعود، لا على الحدث نفسه، بل على وجوده المستمر حولنا، فنبدأ نتعامل معه كأنه جزء من يومنا، ليس لأنه بسيط، بل لأننا لم نعد نتوقف عنده كما في البداية. ومع الوقت، الذي كان يلفت انتباهنا يصبح شيئاً عادياً، حتى وهو يؤثر على مزاجنا وسلوكنا العام، على طريقة استهلاكنا للمواد والموارد، وعلى نظرتنا للأيام القادمة، بشكل غير مباشر أحياناً، وبهدوء قد لا ننتبه له. هذه المفارقة لا تعني أننا لا نفهم ما يحدث، بل تعني أننا نختار أن نواصل حياتنا رغم إدراكنا العام بما يجري، لكننا نحاول أن نحافظ على توازننا، فنكمل حياتنا بشكل طبيعي، بينما في الداخل يبقى شيء من القلق، ليس واضحاً دائماً، لكنه موجود، ويؤثر بدرجات متفاوتة من شخص لآخر. هذا التكيف الهادئ لا يبقى في حدود الشعور، بل يظهر بشكل أوضح في قراراتنا اليومية، خصوصاً تلك المرتبطة بالمال، فنحن لا نعلن تغييراً كبيراً، لكننا نمارسه، نؤجل شراء، نقلل صرفاً، نعيد ترتيب أولوياتنا، وأحياناً نحتفظ بالسيولة أكثر من المعتاد. هذه ليست قرارات عشوائية، بل استجابات هادئة لما نراه ونسمعه حالياً، حتى لو لم نقل صراحة إننا تأثرنا. وهنا يبدأ التحول الحقيقي، ليس في الشعور بل في السلوك الاقتصادي نفسه، في نمط القرار، حيث يصبح الفرد أكثر تحفظاً، وأقل اندفاعاً، وهذا بحد ذاته سلوك اقتصادي له أثر يتجاوز الفرد إلى السوق، وقد يكون له دور في إعادة التوازن في مثل هذه الظروف. وحين ننظر إلى هذا السلوك بشكل أوسع، نلاحظ أنه لا يبقى محصوراً في الأفراد، بل ينعكس على شكل هدوء نسبي في السوق المحلي، حيث لا نشهد اندفاعاً حاداً في الاستهلاك ولا تراجعاً مفاجئاً، بل حالة من التوازن في القرارات اليومية، تعكس طبيعة مجتمع يتكيف مع الأحداث دون أن يرتبك. هذا النمط لا يأتي بالصدفة، بل يرتبط ببيئة اقتصادية قائمة على مؤسسات وتنظيم يظهر في أدائها استيعاباً للمتغيرات والتعامل مع الظروف المختلفة، مما يجعل ردود الفعل أقل حدة وأكثر اتزاناً، حتى في ظل ظروف إقليمية غير مستقرة، وكأن هناك علاقة غير مباشرة بين وعي الفرد، واستقرار السوق، وطريقة عمل المنظومة الاقتصادية ككل.

في بيئة اقتصادية تتسم بدرجة عالية من الاستقرار، كما هو الحال في البحرين ودول الخليج العربي، لا تتحول هذه السلوكيات إلى موجات قلق أو تغيرات حادة، بل تبقى في إطار التكيف الهادئ الذي لا يربك السوق ولا يعطّل حركته. فالفرد هنا لا يتصرف بناءً على تحليل مباشر لما يحدث، بل يتعامل معه بشكل تلقائي ناتج عن وعي عام وإحساس داخلي، فيعيد ترتيب أولوياته أو يؤجل بعض قراراته دون مبالغة، وفي إطار من الثقة في إدارة هذا الاقتصاد، وضمن مساحة من الثقة العامة، يتصرف بحدس أكثر منه بدراية تحليلية، وهو ما ينسجم في مجمله مع حالة التوازن في السوق، ضمن إطار عام من الاستقرار المؤسسي.  وفي الوقت الذي نلاحظ فيه أن اقتصادات بعيدة عن التوترات المباشرة تتأثر بتبعات ما يحدث، يبقى التفاعل في السوق المحلي أكثر هدوءاً واتزاناً، وهو ما لا ينعكس فقط على المؤشرات العامة، بل يظهر أيضاً في تفاصيل الحياة اليومية، حيث لا يلحظ تغير حاد في توفر السلع أو في مستويات الأسعار، وتستمر وتيرة الحياة بشكل قريب من الطبيعي، سواء للمواطن أو المقيم، في مشهد يعكس طبيعة مجتمع يتعامل مع المتغيرات بوعي، ضمن بيئة مؤسسية تتيح هذا النوع من الاستقرار دون أن تفرضه بشكل مباشر. وهنا تتضح الصورة بشكل مختلف، فحين نعيش الحدث ولا نشعر به، قد لا يكون ذلك ضعفاً في الإدراك، بل شكلاً من أشكال التوازن الذي يتبلور بهدوء داخل المجتمع، دون أن نسميه أو نفرض حضوره. وفي نفس الوقت، ما لا يظهر لا يعني أننا لم نتأثر، لكن التأثر يكون بوعي، وهذا ينعكس بهدوء في تعاملنا أكثر من ردود أفعالنا. وبين هذا وذاك، تستمر الحياة بشكل طبيعي، ليس لأننا متهورون أو غير واعين، بل لأننا نعرف كيف نتعامل مع هذا التوتر دون أن نفقد توازننا، في ظل طريقة إدارة مؤسساتنا لهذا الواقع. وفي مثل هذه الظروف، يظهر هذا المعنى في ما نراه يومياً، في تصرفات الناس وطريقة عيشهم اليومية، دون مبالغة أو اندفاع. هذا الهدوء لم يكن وليد اللحظة، بل يرتبط بما سبقها من توجيهات واحترازات صدرت من المؤسسات المعنية، تم التعامل معها بوعي من قبل المواطن والمقيم، وهو ما انعكس لاحقاً في طريقة التعاطي مع هذا التوتر. هذا الهدوء لا يأتي من فراغ، بل من وعي عام وثقافة مجتمعية، ومن إحساس بالمسؤولية، ومن أسلوب تعوّد عليه المجتمع في التعامل مع مثل هذه الظروف، بهدوء وتوازن، ويبقى الدعاء حاضر بأن يحفظ الله البحرين وأهلها وقيادتها، وأن يديم عليها الأمن، وأن ينعم أهلها بالأمان والاستقرار.

* أكاديمي وكاتب بحريني