منظمة التجارة العالمية واتفاقية تدابير الاستثمار المتصلة بالتجارة

| د. عبدالقادر ورسمه

‭ ‬معاملات‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬المصاعب‭ ‬والشد‭ ‬والجذب‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬لأن‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬مصالحه‭. ‬وفي‭ ‬السابق‭ ‬نشبت‭ ‬حروب‭ ‬وخلافات‭ ‬بسبب‭ ‬التجارة،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬الحاجة‭ ‬الماسة‭ ‬للعلاقات‭ ‬التجارية‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ترموميتر‭ ‬الحرارة‭ ‬غير‭ ‬ثابت‭. ‬وعليه،‭ ‬الدول‭ ‬بدأت‭ ‬تتخذ‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬لحماية‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المحلية،‭ ‬ولهذا‭ ‬تقوم‭ ‬الحكومات‭ ‬بفرض‭ ‬شروط‭ ‬معينة‭ ‬على‭ ‬المستثمرين‭ ‬الأجانب‭ ‬عند‭ ‬استثمارهم‭ ‬داخل‭ ‬البلد،‭ ‬وهذا‭ ‬جائز‭ ‬وفقًا‭ ‬لاتفاقيات‭ ‬منظمة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬ولكن‭ ‬المشكلة‭ ‬تبرز‭ ‬عند‭ ‬التطبيق‭ ‬والرؤية‭ ‬الأحادية‭ ‬لكل‭ ‬طرف‭.‬

رئيسة‭ ‬منظمة‭ ‬التجارة‭ ‬طالبت‭ ‬في‭ ‬الاجتماع‭ ‬الأخير‭ ‬بضرورة‭ ‬التكاتف‭ ‬وبحث‭ ‬الأسس‭ ‬لدعم‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭. ‬ومن‭ ‬ضمن‭ ‬الأجندة‭ ‬تم‭ ‬مناقشة‭ ‬اتفاقية‭ ‬“ترميز”‭. ‬حيث‭ ‬تهدف‭ ‬الشروط‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬ولكن‭ ‬وفقًا‭ ‬لبعض‭ ‬المعطيات‭ ‬المحلية‭ ‬الخاصة‭ ‬بكل‭ ‬بلد‭. ‬والشروط‭ ‬التي‭ ‬تضعها‭ ‬الدول‭ ‬تعمل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التزاوج‭ ‬بين‭ ‬الاستثمارات‭ ‬بنوعيها‭ ‬المحلي‭ ‬والأجنبي‭ ‬لدعم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭. ‬ونظرًا‭ ‬لأن‭ ‬الشروط‭ ‬التي‭ ‬تضعها‭ ‬الدول‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬تم‭ ‬وضع‭ ‬اتفاقية‭ ‬تدابير‭ ‬الاستثمار‭ ‬المتصلة‭ ‬بالتجارة‭ ‬–‭ ‬والمعروفة‭ ‬ب‭ ‬“ترميز”‭.‬

تهدف‭ ‬الاتفاقية‭ ‬الى‭ ‬دعوة‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬منظمة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬إلغاء‭ ‬كل‭ ‬التدابير‭ ‬الاحترازية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالاستثمارات‭ ‬داخل‭ ‬الدولة‭ ‬والتي‭ ‬قد‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬سير‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬وتدفقها‭ ‬الحر،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬التدابير‭ (‬المحلية‭) ‬لا‭ ‬تنسجم‭ ‬مع‭ ‬قواعد‭ ‬الجات‭. ‬والاتفاقية‭ ‬تنادي‭ ‬بأن‭ ‬يتم‭ ‬الإلغاء‭ ‬وفق‭ ‬مراحل‭ ‬زمنية‭ ‬تم‭ ‬تحديدها‭.‬

ولتعريف‭ ‬تدابير‭ ‬الاستثمار‭ ‬المتصلة‭ ‬بالتجارة،‭ ‬نقول‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬تصدره‭ ‬الدول‭ ‬من‭ ‬القوانين‭ ‬لتقديم‭ ‬الحوافز‭ ‬لاستقطاب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬ذات‭ ‬الفائدة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬ومن‭ ‬الحوافز‭ ‬الإغفاء‭ ‬الجمركي‭ ‬والضريبي‭ ‬لمدخلات‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وتقديم‭ ‬الأراضي‭ ‬لإقامة‭ ‬المشاريع‭ ‬والخدمات‭ ‬الضرورية‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬خاصة‭ ‬وتفضيلية‭. ‬ولكن‭ ‬القوانين‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬لأنه‭ ‬إضافة‭ ‬لمنح‭ ‬الامتيازات‭ ‬فإن‭ ‬الحكومات‭ ‬تضع‭ ‬بعض‭ ‬الشروط‭ ‬الخاصة‭ ‬على‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭. ‬ومن‭ ‬الأمثلة‭ ‬النص‭ ‬في‭ ‬القوانين‭ ‬على‭ ‬تعهد‭ ‬الشركات‭ ‬الأجنبية‭ ‬باستخدام‭ ‬قدر‭ ‬معين‭ ‬من‭ ‬المدخلات‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬الخاص‭ ‬بالمشروع‭ ‬الاستثماري،‭ ‬استخدام‭ ‬المواد‭ ‬الخام‭ ‬المحلية‭ ‬والعمالة‭ ‬الوطنية‭ ‬وتدريبها‭ ‬لإحلال‭ ‬العمالة‭ ‬الأجنبية‭ ‬وتغطية‭ ‬نسبة‭ ‬من‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المحلي‭ ‬والمساهمة‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬المجتمع‭ ‬بدعم‭ ‬التعليم‭ ‬والصحة‭ ‬والبيئة‭ ‬ودعم‭ ‬المشاريع‭ ‬لتطوير‭ ‬مقدرات‭ ‬الشباب‭ ...‬الخ‭.‬

هذه‭ ‬الشروط‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬التي‭ ‬تضعها‭ ‬الحكومات‭ ‬أي‭ ‬“تدابير‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المتصلة‭ ‬بالتجارة”،‭ ‬وتجد‭ ‬معارضة‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬الأجنبية‭ ‬لأنها‭ ‬تحرمهم‭ ‬وتقلل‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الأرباح‭ ‬بالطريقة‭ ‬“الأنانية”‭ ‬التي‭ ‬يرونها‭. ‬والبلدان‭ ‬النامية‭ ‬أكثر‭ ‬الدول‭ ‬استخدامًا‭ ‬لتدابير‭ ‬الاستثمار‭ ‬المتصلة‭ ‬بالتجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬حيث‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬النمو‭ ‬في‭ ‬صناعتها‭ ‬المحلية‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬فرض‭ ‬استخدام‭ ‬المكونات‭ ‬المحلية‭ ‬والسماح‭ ‬بالتوسع‭ ‬في‭ ‬التصدير‭ ‬مع‭ ‬اشتراط‭ ‬الأداء‭ ‬التصديري‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭. ‬

يحظر‭ ‬الاتفاق‭ ‬بشأن‭ ‬تدابير‭ ‬الاستثمار‭ ‬المتصلة‭ ‬بالتجارة‭ ‬على‭ ‬البلدان‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬الاتفاقية‭ ‬استخدام‭ ‬عدة‭ ‬تدابير‭ ‬استثمارية‭ ‬متصلة‭ ‬بالتجارة‭ ‬نظرًا‭ ‬لأن‭ ‬هذه‭ ‬التدابير‭ ‬حسب‭ ‬الاتفاق‭ ‬غير‭ ‬منسجمة‭ ‬مع‭ ‬قواعد‭ ‬اتفاقية‭ ‬الجات‭ ‬الخاصة‭ ‬بالمعاملة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وكذلك‭ ‬القواعد‭ ‬التي‭ ‬تحظر‭ ‬استخدام‭ ‬القيود‭ ‬الكمية‭. ‬والتدابير‭ ‬المحلية‭ ‬تعطي‭ ‬أفضلية‭ ‬للمنتجات‭ ‬المحلية‭ ‬بما‭ ‬يخالف‭ ‬مبدأ‭ ‬المعاملة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وحتى‭ ‬يتم‭ ‬حظر‭ ‬هذه‭ ‬التدابير،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬شراء‭ ‬أو‭ ‬استخدام‭ ‬منتجات‭ ‬مستوردة‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الشركات‭ ‬الأجنبية‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بحجم‭ ‬أو‭ ‬قيمة‭ ‬المنتجات‭ ‬المحلية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بتصديرها‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بمتطلبات‭ ‬“التوازن‭ ‬التجاري”‭. ‬

إن‭ ‬الصراع‭ ‬التجاري‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬سيستمر‭ ‬وعلى‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬توحيد‭ ‬موفقها‭ ‬تجاه‭ ‬مفاوضات‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬“أفضل”‭ ‬الأوضاع‭ ‬ولمنع‭ ‬الاستغلال‭ ‬لثرواتها‭ ‬بواسطة‭ ‬الشركات‭ ‬العالمية‭. ‬وكما‭ ‬يقولون‭ ‬“التجارة‭ ‬شطارة”‭ ‬ونأمل‭ ‬السير‭ ‬لتحقيق‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التعامل‭ ‬الشريف‭ ‬بين‭ ‬الأنداد‭ ‬وليس‭ ‬القوي‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الضعيف،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬يحتاج‭ ‬للآخر‭. ‬وبالطبع،‭ ‬فإن‭ ‬وقف‭ ‬الصراع‭ ‬سيجعل‭ ‬التجارة‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭ ‬ويشجع‭ ‬التبادل‭ ‬والاستهلاك‭ ‬وتنمية‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭.‬

‭* ‬المستشار‭ ‬والخبير‭ ‬القانوني