استهداف الخوارزميات: الرصاصة التي تُصيب المستقبل
| ياسر سليم
في لحظةٍ يضيق فيها الأفق السياسي، تتسع دائرة العبث لتطال ما كان ينبغي أن يبقى بمنأى عن الضجيج: الرئة التقنية التي تتنفس بها البشرية. ثمة تهديدات تتعالى من طهران موجهة إلى شركات التكنولوجيا العالمية، التي تقع مقراتها الإقليمية الكبرى بمنطقة الخليح، على غرار ما حرى قبل أيام من استهداف مقر شركة أمازون في مملكة البحرين. هذه التهديدات، ليست مجرد صدى لتوترات عابرة، بل تحوّلت إلى لغة خشنة تُلوِّح بضرب “عصب الحضارة السلكي”، حيث تتشابك الخوارزميات مع تفاصيل الحياة اليومية كما تتشابك الأعصاب في جسد حي. إن استهداف مراكز الابتكار بالخليح، ليس عملًا سياسيًّا بقدر ما هو انتحار حضاري مكتمل الأركان. فحين تُحوَّل مختبرات الذكاء الاصطناعي إلى أهداف، لا تُقصف مبانٍ من زجاج وحديد، بل تُصاب فكرة التقدم نفسها في مقتل. هناك، حيث تُصاغ حلول الطب والتعليم والطاقة، يُختصر مستقبل الإنسان في سطور برمجية هادئة، لا تحتمل ضجيج البنادق. تلك المفارقة القاسية بين لغة السلاح ولغة البرمجة تكشف عن خلل عميق: كأن العالم، في لحظة ارتباكه، يخلط بين من يكتب الشيفرة ومن يضغط الزناد. في الخليج العربي، تبدو الصورة أكثر درامية. فهنا، لم تعد الرمال مجرد امتداد للصحراء، بل تحوّلت إلى رقائق سيليكون، تُبنى فوقها مدن تُحاكي المستقبل. من المنامة إلى دبي، ومن الرياض إلى الكويت، يتشكل فضاء جديد، يمكن تسميته دون مبالغة “عاصمة الخوارزميات”. لم يعد النفط هو الحكاية الوحيدة، بل صار مجرد فصل في رواية أطول عنوانها التحول الرقمي. في هذه الجغرافيا، تتجسد الأنسنة الرقمية في أوضح صورها: خدمات ذكية، مدن متصلة، وشباب يعيد تعريف الممكن. غير أن هذا الحلم، وهو يتجسد في صمت الواثقين، يجد نفسه فجأة في مرمى تهديدات عبثية. من يتوّهم أن استهداف شركات التقنية في الخليج هو مجرد ضغط على “مصالح أجنبية”، يغفل عن حقيقة أكثر إيلامًا: إنه استهداف مباشر لنبض عربي جديد، لآلاف العقول التي وجدت في هذا الفضاء فرصة للخروج من هامش التاريخ إلى متنه. إنها محاولة لفرض “تصحّر تقني” على أرض اختارت أن تزهر بالمعرفة لا بالنزاعات. والأخطر من ذلك، أن هذه التهديدات تعكس شكلًا جديدًا من “استلاب الابتكار”، حيث يُراد للتكنولوجيا أن تبقى أسيرة جغرافيًّا بعينها، لا أن تنتشر كحق إنساني مشاع. ويكأن هناك من يخشى أن تتكلم الخوارزميات بلهجة عربية، أو أن تُكتب الشيفرات بروحٍ تنتمي إلى هذه المنطقة. وهنا، يتحول الصراع من مجرد تنافس جيوسياسي إلى محاولة لإعادة رسم خريطة المستقبل ذاته. لكن التاريخ، في عادته، لا ينحاز إلى الخوف. كل تجربة تُحاصر، تجد طريقها إلى التمدد. وكل فكرة تُهدَّد، تكتسب مناعتها الخاصة. ولعل المفارقة أن هذه الضغوط، بدل أن تُضعف التجربة الخليجية، قد تمنحها صلابة إضافية، تدفعها إلى تعميق استقلالها التقني وبناء منظومات أكثر رسوخًا. في النهاية، لا يمكن اختزال التكنولوجيا في كونها أداة ضمن لعبة الأمم. إنها، ببساطة، لغة العصر. ومن يطلق النار على هذه اللغة، إنما يطلقها على نفسه. لأن المستقبل، مهما تأخر، لا يمر عبر فوهة بندقية، بل عبر سطر برمجي هادئ… يكتب العالم من جديد.