عندما تتناقض القيم.. تبدأ الثقافة المؤسسية بالانهيار

| أحمد عطية

أكبر خطر على الثقافة المؤسسية ليس غياب القيم، بل ازدواجيتها. فلا تنهار الثقافة المؤسسية بسبب غياب القيم، بل بسبب التناقض بينها وبين ما يمارس يوميا. فالسقوط لا يحدث فجأة، بل يبدأ تدريجيا مع كل موقف تتباعد فيه الأفعال عن الأقوال. وفي كثير من بيئات العمل، ليست المشكلة في القيم بحد ذاتها، بل في الفجوة بين ما يعلن وما يمارس. فالمؤسسات ترفع شعارات مثل الشفافية والعدالة والعمل الجماعي، لكن التحدي الحقيقي ليس في صياغة هذه القيم، بل في ترجمتها الى سلوك يومي ثابت. فعندما يطلب من الموظفين الالتزام بالوقت، بينما يتكرر تأخر المدير دون اعتذار، فان الرسالة الحقيقية تكون في القدوة لا في التوجيه. وعندما تشجع الصراحة، ثم يعاقب من يعبر عن رأيه، تتحول بيئة العمل إلى مساحة حذرة ومتوترة. كما أن رفع شعار الشفافية لا يكفي، فعندما لا يجد الموظفون إجابات واضحة لأسئلتهم البسيطة، ويكتفى بالرد بأن هذا “قرار إداري”، تبدأ الثقة بالتآكل، ويزداد الغموض في بيئة العمل، وتكثر التفسيرات والاجتهادات غير الدقيقة. وفي بعض الحالات، لا تكمن المشكلة في السلوك غير المهني بحد ذاته، بل في السكوت عنه. فعندما تتكرر ممارسات قيادية تخلق بيئة عمل غير صحية، ويكون ذلك معلوما للجميع دون تدخل، تصبح الرسالة واضحة “تطبيق القيم ليس واحدا للجميع”. وتزداد الصورة وضوحا عندما تمتد هذه الممارسات الى طريقة تطبيق العدالة، فعندما يتغاضى عن أخطاء البعض، بينما يحاسب آخرون على الأخطاء نفسها، تتشكل قناعة بأن المعايير ليست واحدة للجميع. ومع تكرار هذه التناقضات، لا ينسحب الموظف رسميا، لكنه يتوقف عن تقديم أفضل ما لديه. وغالبا ما يلقى اللوم على إدارات الموارد البشرية، رغم أن الثقافة لا تبنى بالسياسات فقط، بل بسلوك القادة. فالموارد البشرية تضع الأطر، لكن القيادة هي من تحدد كيف تمارس فعليا. فالثقافة الحقيقية لا تكتب في السياسات، بل في الممارسة اليومية. ويؤكد خبير القيادة العالمي سيمون سينك “الثقة لا تبنى بما نقول، بل بما نفعله باستمرار”. كما تشير الدراسات إلى أن المدير المباشر يلعب دورا كبيرا في مستوى ارتباط الموظفين، وأن الفجوة بين القول والممارسة من أبرز أسباب ضعف الارتباط الوظيفي. في النهاية، الثقافة المؤسسية لا تقاس بما يكتب، بل بما يمارس. وعندما تتناقض القيم لا تنهار فجأة، بل تتآكل بصمت.

 

‬مستشار‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية