أوراق الضغط في باب المندب

| د. بثينة خليفة قاسم

يمثل باب المندب اليوم ركيزة أساسية في صراع الإرادات الجيوسياسية لبسط النفوذ؛ حيث تحول من مجرد ممر مائي للتجارة العالمية إلى أداة فاعلة في معادلات التصعيد الإقليمي. هذا الممر، الذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن، لم يعد مجرد معلم جغرافي، بل استحال ساحة للمناورات السياسية والعسكرية التي تعكس التداخل المعقد للمصالح الدولية. ويظهر هذا الجانب بوضوح في الانخراط الإيراني الذي يستثمر موقع اليمن الجغرافي لفرض ديناميكيات جديدة في إدارة الصراع. تبدو خطورة المشهد في قدرة طهران على توظيف فواعلها المحلية لتحويل المضيق إلى منطقة اضطراب دائم. إن استخدام هذه الورقة يمنح الجانب الإيراني قدرة على التأثير في المسرح العالمي وتدفقات الطاقة والتجارة دون الحاجة للدخول في مواجهة مباشرة. ويهدف هذا التصعيد إلى إثبات أن أية محاولة للمساس بالمصالح الإيرانية في الخليج العربي ومضيق هرمز ستُقابل برد فعل موازٍ في البحر الأحمر، وهو ما يجسد استراتيجية توحيد الساحات البحرية. من الناحية الاقتصادية، يؤدي باب المندب دورا حيويا كقناة يعبرها نحو 12 % من حجم التجارة العالمية. وفي ظل الظروف الراهنة، سجلت حركة الملاحة تراجعا ملحوظا، بينما انخفضت تدفقات النفط والغاز المسال بنسبة تجاوزت النصف. هذه المعضلة لا تمس القوى الإقليمية فحسب، بل تمتد لتطال أطرافا دولية كبرى تعتمد على قناة السويس كشريان رئيس لبضائعها؛ ما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حرج للموازنة بين تأمين الملاحة وتجنب الانزلاق نحو صراع شامل. إن القدرات العسكرية للفواعل غير الحكومية في اليمن سمحت بفرض بيئة أمنية معقدة تتجاوز مفهوم السيادة القانونية للقوى الإقليمية. هذا التحول جعل باب المندب وسيلة لنقل رسائل استراتيجية تتخطى الحدود الجغرافية لتصل إلى مراكز القرار العالمي. إن بقاء هذا الممر تحت رحمة النزاعات يكرس حالة الضبابية في الاقتصاد العالمي، ويؤكد أن السيطرة على الممرات المائية باتت الأداة الأكثر تأثيرا في إدارة الصراعات، بخلاف المواجهات العسكرية التقليدية التي تكبد الجميع أثمانا باهظة.