القواعد الأميركية في الخليج.. بين الشعارات والحقائق

| عبدالنبي الشعلة

تعرضت دول الخليج العربية، في سياق الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لموجات متكررة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، التي شنها النظام الإيراني، واستهدفت في معظمها مرافق مدنية واقتصادية وبنى تحتية ومناطق سكنية. ولم يكن لافتًا فقط حجم هذه الهجمات، بل طبيعة أهدافها؛ إذ لم تقتصر على الأهداف العسكرية المباشرة؛ الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول دوافعها الحقيقية ورسائلها السياسية؛ فقد أُطلقت آلاف من الصواريخ والمسيرات، حتى الآن، كان نصيب الدول العربية الخليجية 85 % منها، والباقي 15 % كان من نصيب إسرائيل ومناطق أخرى. وفي محاولة لتبرير هذه الاعتداءات، أعلنت طهران أنها تستهدف القواعد العسكرية الأميركية والمصالح المرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة، غير أن هذا التبرير يواجه مفارقة واضحة؛ فالمصالح الأميركية موجودة في نطاق جغرافي أوسع بكثير من الخليج، ومع ذلك انحصر الاستهداف في الدول الخليجية. أما القواعد العسكرية، فقد تحولت إلى ذريعة لتغذية خطاب يدعو إلى إزالتها، بزعم أنها لم توفر الحماية الكافية للدول المستضيفة لها. وهنا تحديدًا يبرز جوهر النقاش. فهل وجود هذه القواعد عبء على أمن دول الخليج؟ أم أنه عنصر من عناصر حمايته؟ الواقع أن تقييم هذا الوجود لا يمكن أن يتم بمعزل عن الإطار الأوسع الذي يندرج فيه، وهو منظومة اتفاقيات دفاعية تشمل التدريب، ونقل المعرفة، وتزويد الجيوش الوطنية بأحدث أنظمة التسليح والدفاع. وما أظهرته المواجهات الأخيرة من قدرة ملحوظة على اعتراض النسبة الأكبر من الصواريخ والمسيّرات، يعكس مستوى هذا التعاون، ويؤكد أن ما تحقق لم يأت من فراغ، بل نتيجة تراكم طويل من الشراكات العسكرية والتقنية؛ فلولا وجود ودعم الحلفاء لتسبب هذا الاستهداف وبهذا العدد الكبير من الصواريخ والمسيرات في إحداث دمار هائل،  لا يمكن وصفه، في أرواح وممتلكات ومقدرات الخليجيين. صحيح أن وجود قواعد أجنبية لا يشكل ضمانة مطلقة للأمن، بل قد يجعل الدول المستضيفة جزءًا من معادلات الصراع، غير أن البديل ليس بالضرورة أكثر أمانًا؛ فغياب هذه المظلة لا يلغي التهديدات، بل قد يضاعفها، خاصة في منطقة تعج بالتوترات وتتنافس فيها قوى إقليمية على النفوذ. ومن المفارقات أن تُطرح الدعوات إلى إزالة القواعد الأميركية من الدول الخليجية في الوقت الذي تستضيف فيه دول قوية كبرى، في أوروبا وآسيا، قواعد مماثلة باعتبارها جزءًا من منظوماتها الدفاعية؛ فدول مثل ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية لا تنظر إلى هذا الوجود بوصفه عنصر ضعف أو انتقاصًا من سيادتها، بل كإحدى أدوات تعزيز أمنها الوطني ضمن تحالفات واضحة ومعلنة. ولمزيد من التوضيح فإن الولايات المتحدة تمتلك شبكة واسعة من القواعد العسكرية حول العالم، تقدر بنحو 750 إلى 800 قاعدة خارج أراضيها في حوالي 80 دولة ومنطقة، 30 قاعدة منها في منطقة الشرق الأوسط، وتنتشر القواعد الأميركية في جميع القارات وتضم قوات برية وبحرية وجوية. اليابان وألمانيا، على سبيل المثال، تستضيفان أكبر عدد من القوات والقواعد الأميركية، حيث يوجد أكثر من 50 ألف جندي في اليابان، و34 ألف جندي في ألمانيا. في السياق الخليجي، يكتسب هذا الموضوع بعدًا إضافيًا، يرتبط بطبيعة التهديدات القائمة؛ فمنذ قيام الثورة الإيرانية بالعام 1979، لم تنقطع محاولات طهران للتأثير في محيطها الخليجي، سواء عبر الخطاب السياسي أو عبر أدوات غير مباشرة. وتبقى تجربة البحرين مثالًا واضحًا؛ حيث تم في وقت مبكر حسم مسألة السيادة بإرادة شعبية موثقة دوليًا، إلا أن ذلك لم يمنع النظام الإيراني من استمرار محاولات التشكيك والتدخل. غير أن الدفاع عن جدوى هذه القواعد لا يعني التقليل من أهمية بناء القدرات الذاتية، بل على العكس، فإن الدرس الأهم الذي تفرضه هذه المرحلة هو ضرورة الجمع بين الأمرين: تعزيز القوة الوطنية، وتطوير منظومة دفاع خليجي مشترك أكثر تكاملًا، إلى جانب الحفاظ على تحالفات دولية فعالة. وفي هذا الإطار، برزت خلال المواجهات الأخيرة مسألة في غاية الأهمية، تتعلق بطبيعة التحالفات الدولية؛ فقد ساد في بعض الأوساط اعتقاد بأن إيران، من خلال علاقاتها المتنامية مع كل من روسيا والصين، تمتلك ما يشبه مظلة دعم دولي قادرة على موازنة النفوذ الأميركي، غير أن ما جرى على أرض الواقع لم يؤكد هذا التصور. فروسيا، رغم علاقاتها العسكرية مع طهران، بدت منشغلة بحساباتها الخاصة، في ظل استنزافها في الحرب الأوكرانية، واكتفت بدعم عسكري محدود وبمواقف سياسية محسوبة. أما الصين، فواصلت نهجها التقليدي القائم على تجنب الانخراط العسكري المباشر، مفضلة الحفاظ على توازن علاقاتها مع مختلف الأطراف، وتركيزها على المصالح الاقتصادية والتجارية. وهنا تتضح حقيقة أساسية في عالم السياسة الدولية: ليس كل تقارب سياسي أو اقتصادي يرقى إلى مستوى التحالف العسكري؛ فالعلاقات التي لا تقوم على التزامات دفاع مشترك تظل، في جوهرها، شراكات مصلحية قابلة لإعادة التقييم عند كل أزمة. في المقابل، تظل الولايات المتحدة، رغم كل الملاحظات السلبية التي يمكن أن توجه إلى سياساتها، الطرف الأكثر قدرة واستعدادًا للانخراط العسكري المباشر عندما تتقاطع مصالحها مع مصالح حلفائها. وتجربة تحرير الكويت بالعام 1991 تبقى شاهدًا حيًا على طبيعة هذا الدور، وعلى الفارق بين التحالف الفعلي والشراكة الظرفية. ولا يرتبط هذا فقط بالاعتبارات الاستراتيجية، بل أيضًا ببنية النظام الأميركي ذاته، حيث يشكل الإنفاق الدفاعي ركيزة أساسية في الاقتصاد، ومحركًا رئيسًا للتطور التكنولوجي، وهو ما ينعكس على مستوى الدعم العسكري الذي يمكن أن تقدمه واشنطن لحلفائها. في ضوء كل ذلك، تبدو الدعوات التي تطالب بإزالة القواعد الأميركية من دول الخليج، دون تقديم بدائل واقعية، أقرب إلى ردود فعل عاطفية منها إلى رؤى استراتيجية مدروسة؛ فالأمن في عالم اليوم لا يُبنى بالشعارات، بل بحسابات دقيقة توازن بين المخاطر والإمكانات. ومع ذلك، يبقى الأهم هو ألا تتحول هذه التحالفات إلى بديل من الإرادة الذاتية، بل أن تكون مكملًا لها؛ فالدول التي تنجح في حماية أمنها هي تلك التي تدرك أن التحالفات تعزز القوة، لكنها لا تصنعها من العدم. وفي منطقة مضطربة كالشرق الأوسط، حيث تتقاطع المصالح وتتشابك الصراعات، لا يكفي أن نختار بين الاعتماد على الذات أو الاتكاء على الحلفاء، بل الحكمة تكمن في الجمع بينهما؛ فالقواعد العسكرية الأجنبية قد تكون جزءًا من منظومة الأمن، لكنها ليست كل المنظومة. والرهان الحقيقي يظل على وضوح الرؤية، وحسن التقدير، والقدرة على بناء توازن دقيق بين الاستقلال والتحالف، في عالم لا يمنح الأمان إلا لمن يحسن قراءة الواقع كما هو، لا كما يتمنى أن يكون.