انفتاح سنغافورة على محك صدمات الحرب

| عبدالله بوقس

لم‭ ‬تعد‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬سنغافورة،‭ ‬بل‭ ‬غدت‭ ‬عاملاً‭ ‬يومياً‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬نموذجها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الانفتاح،‭ ‬الذي‭ ‬يقف‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬محك‭ ‬صدمات‭ ‬الحرب،‭ ‬إذ‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬التجارة‭ ‬والطاقة‭ ‬والمال،‭ ‬ويواجه‭ ‬اختباراً‭ ‬قاسياً‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬اقتصاد‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الخارج‭ ‬في‭ ‬الصمود‭ ‬حين‭ ‬يتحول‭ ‬هذا‭ ‬الخارج‭ ‬ذاته‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬اضطراب،‭ ‬وهنا‭ ‬تنكشف‭ ‬حدود‭ ‬نموذج‭ ‬طالما‭ ‬قُدِّم‭ ‬بوصفه‭ ‬تجربة‭ ‬رائدة‭.‬

تشير‭ ‬هيئة‭ ‬النقد‭ ‬السنغافورية‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬التجارة‭ ‬يتجاوز‭ ‬300‭ %  ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السنغافوري‭ ‬ليس‭ ‬منفتحاً‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬متداخل‭ ‬عضوياً‭ ‬مع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭. ‬ومع‭ ‬كل‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ -‬حيث‭ ‬تمر‭ ‬نحو‭ ‬20‭ %  ‬من‭ ‬إمدادات‭ ‬النفط‭ ‬العالمية‭- ‬تنتقل‭ ‬الصدمة‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬سنغافورة‭ ‬عبر‭ ‬الطاقة‭ ‬والتجارة‭.‬

تستورد‭ ‬سنغافورة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬95‭ % ‬من‭ ‬احتياجاتها‭ ‬من‭ ‬الطاقة،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬شديدة‭ ‬التعرض‭ ‬لتقلبات‭ ‬السوق‭ ‬العالمية‭. ‬ومع‭ ‬تجاوز‭ ‬النفط‭ ‬100‭ ‬دولار‭ ‬للبرميل،‭ ‬ترتفع‭ ‬كلفة‭ ‬الإنتاج‭ ‬والنقل‭ ‬والخدمات،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬الحكومة‭ ‬إلى‭ ‬تأكيد‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬توقعات‭ ‬2026‭ ‬للنمو‭ ‬2‭ %‬–4‭ % ‬إذا‭ ‬استمرت‭ ‬التوترات،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الصدمة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬محتملة‭ ‬بل‭ ‬مؤثرة‭ ‬فعلياً‭ ‬على‭ ‬التقديرات‭ ‬الاقتصادية‭.‬

وهكذا،‭ ‬تتسع‭ ‬دائرة‭ ‬التأثير‭ ‬عبر‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬فسنغافورة‭ ‬ليست‭ ‬اقتصاداً‭ ‬إنتاجياً‭ ‬تقليدياً،‭ ‬بل‭ ‬مركزاً‭ ‬لإعادة‭ ‬التصدير‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية‭. ‬ومع‭ ‬اضطراب‭ ‬الشحن‭ ‬العالمي‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬التأمين،‭ ‬تشير‭ ‬تقديرات‭ ‬القطاع‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬زمن‭ ‬الرحلات‭ ‬البحرية‭ ‬بين‭ ‬آسيا‭ ‬وأوروبا‭ ‬بنحو‭ ‬10‭ ‬إلى‭ ‬14‭ ‬يوماً،‭ ‬ما‭ ‬يرفع‭ ‬التكاليف‭ ‬ويقلل‭ ‬الكفاءة،‭ ‬وينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬نشاط‭ ‬الموانئ‭ ‬والخدمات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬ركائز‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السنغافوري‭.‬

كما‭ ‬تواجه‭ ‬سنغافورة‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ”التضخم‭ ‬المستورد”،‭ ‬حيث‭ ‬ترتفع‭ ‬الأسعار‭ ‬نتيجة‭ ‬زيادة‭ ‬كلفة‭ ‬الواردات‭. ‬وتشير‭ ‬البيانات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التضخم‭ ‬المتوقع‭ ‬في‭ ‬2026‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬1‭ %  ‬و2‭ %‬،‭ ‬مع‭ ‬مخاطر‭ ‬تصاعدية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بأسعار‭ ‬الطاقة،‭ ‬ما‭ ‬يحوّل‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬ضغط‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬معيشة‭ ‬الأفراد‭.‬

ولا‭ ‬تقف‭ ‬تداعيات‭ ‬الحرب‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬سنغافورة،‭ ‬بل‭ ‬ترتبط‭ ‬مباشرة‭ ‬بمصدر‭ ‬الطاقة‭ ‬نفسه‭. ‬فقد‭ ‬ارتفعت‭ ‬أقساط‭ ‬التأمين‭ ‬البحري‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬من‭ ‬نحو‭ ‬0‭.‬25‭ %  ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يصل‭ ‬1‭ %‬–3‭ % ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬السفينة،‭ ‬فيما‭ ‬قفزت‭ ‬كلفة‭ ‬استئجار‭ ‬ناقلات‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬800‭ ‬ألف‭ ‬دولار‭ ‬يومياً‭ ‬،‭ ‬مع‭ ‬رسوم‭ ‬إضافية‭ ‬على‭ ‬الشحن‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬1500‭ ‬و3000‭ ‬دولار‭ ‬للحاوية،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬اضطراب‭ ‬الطاقة‭ ‬لا‭ ‬يرفع‭ ‬الأسعار‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬كلفة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬بأكملها‭.‬

لقد‭ ‬كشفت‭ ‬تجربة‭ ‬سنغافورة‭ ‬أن‭ ‬الانفتاح‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ليس‭ ‬ضمانة‭ ‬دائمة،‭ ‬بل‭ ‬معادلة‭ ‬دقيقة‭ ‬تتبدل‭ ‬مع‭ ‬تغير‭ ‬العالم،‭ ‬إذ‭ ‬يقف‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬صدمات‭ ‬الحرب‭ ‬واختبار‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬الصمود‭. ‬فحين‭ ‬تتجاوز‭ ‬التجارة‭ ‬حجم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وتعتمد‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬مصادر‭ ‬طاقة‭ ‬خارجية،‭ ‬تتحول‭ ‬القوة‭ ‬إلى‭ ‬هشاشة‭ ‬كامنة،‭ ‬ويصبح‭ ‬التحدي‭ ‬في‭ ‬امتصاص‭ ‬الصدمات‭ ‬والتكيف‭ ‬مع‭ ‬بيئة‭ ‬دولية‭ ‬غير‭ ‬مستقرة‭.‬  

‭* ‬صحافي‭ ‬وكاتب‭ ‬إندونيسي،‭ ‬مهتم‭ ‬بشؤون‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور