“خلايا إيران”.. حتى لا تكون فتنة!

| حسن المصطفى

تَمرُ‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬بلحظة‭ ‬تاريخية‭ ‬حرجة،‭ ‬تتجاوز‭ ‬فيها‭ ‬التهديدات‭ ‬الأمنية‭ ‬المباشرة،‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬محاولات‭ ‬لتقويض‭ ‬السلم‭ ‬الأهلي‭ ‬عبر‭ ‬“الخلايا‭ ‬التخريبية”‭ ‬المرتبطة‭ ‬بـ”الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬الإيراني”‭. ‬

ما‭ ‬كشفت‭ ‬عنه‭ ‬المنامة‭ ‬والكويت‭ ‬وأبوظبي‭ ‬والدوحة‭ ‬مؤخراً،‭ ‬من‭ ‬ضبط‭ ‬مجاميع‭ ‬تعمل‭ ‬لصالح‭ ‬أجندات‭ ‬خارجية،‭ ‬شكل‭ ‬إنجازاً‭ ‬أمنياً‭ ‬للأجهزة‭ ‬المعنية‭ ‬ودليلاً‭ ‬على‭ ‬جهوزيتها‭ ‬العالية،‭ ‬كون‭ ‬هذه‭ ‬“الخلايا”‭ ‬تمثلُ‭ ‬اختباراً‭ ‬حقيقياً‭ ‬لصلابة‭ ‬“الدولة”‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬أدوات‭ ‬الاختراق‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬العابر‭ ‬للحدود‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬المنعطف‭ ‬تبرز‭ ‬المؤسسات‭ ‬الأمنية‭ ‬والقضائية‭ ‬بوصفها‭ ‬الصمام‭ ‬والجهة‭ ‬المخولة‭ ‬بإنفاذ‭ ‬القانون‭. ‬

إن‭ ‬تعامل‭ ‬الدولة‭ ‬بمهنية‭ ‬عالية‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الملفات‭ ‬يكرس‭ ‬مفهوم‭ ‬“سيادة‭ ‬القانون”‭. ‬فالمسؤولية‭ ‬هنا‭ ‬هي‭ ‬مسؤولية‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬ملاحقة‭ ‬الجناة‭ ‬وتقديمهم‭ ‬لعدالة‭ ‬ناجزة،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬تسييس‭ ‬أو‭ ‬انفعال‭ ‬شعبي‭ ‬قد‭ ‬يخل‭ ‬بمسار‭ ‬العدالة،‭ ‬ويحقق‭ ‬أجندات‭ ‬“الحرس‭ ‬الثوري”‭ ‬الراغبة‭ ‬في‭ ‬إضعاف‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬الداخلية‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭.‬

من‭ ‬الضروري‭ ‬إرساء‭ ‬قاعدة‭ ‬أخلاقية‭ ‬وقانونية‭ ‬شديدة‭ ‬الوضوح،‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬الخيانة‭ ‬والإرهاب‭ ‬والعمالة‭ ‬أفعالٌ‭ ‬لا‭ ‬طائفة‭ ‬لها‭ ‬ولا‭ ‬مذهب‭ ‬ولا‭ ‬دين؛‭ ‬فالوزر‭ ‬يقع‭ ‬حصراً‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬من‭ ‬اختار‭ ‬طريق‭ ‬التخابر‭ ‬والارتهان‭ ‬للخارج،‭ ‬ولا‭ ‬يصح‭ ‬أخلاقياً‭ ‬ولا‭ ‬وطنياً‭ ‬تعميم‭ ‬الجريرة‭ ‬على‭ ‬كاهل‭ ‬عائلة‭ ‬الفاعل‭ ‬أو‭ ‬قبيلته‭ ‬أو‭ ‬منطقته‭ ‬أو‭ ‬طائفته‭.‬

الذهاب‭ ‬نحو‭ ‬“العقوبة‭ ‬الجماعية”‭ ‬أو‭ ‬الوصم‭ ‬الهوياتي‭ ‬هو‭ ‬هدم‭ ‬لمكتسبات‭ ‬المواطنة‭ ‬التي‭ ‬رسختها‭ ‬حكومات‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬طيلة‭ ‬سنوات،‭ ‬واعتداء‭ ‬على‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬المتماسك‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأول‭. 

بموازاة‭ ‬ذلك،‭ ‬تبرز‭ ‬خطورة‭ ‬شريحة‭ ‬من‭ ‬“المحرضين‭ ‬الرقميين”‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬الذين‭ ‬يستغلون‭ ‬هذه‭ ‬الأحداث‭ ‬لإثارة‭ ‬نعرات‭ ‬طائفية‭ ‬وعنصرية‭.‬

خطابات‭ ‬الكراهية‭ ‬هذه،‭ ‬بوعي‭ ‬أو‭ ‬بدونه،‭ ‬تؤدي‭ ‬وظيفة‭ ‬تكميلية‭ ‬لما‭ ‬تريده‭ ‬الخلايا‭ ‬الإرهابية،‭ ‬أي‭ ‬تفتيت‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬الداخل‭. ‬لذا،‭ ‬فإن‭ ‬الوعي‭ ‬بضرورة‭ ‬الترفع‭ ‬عن‭ ‬المناكفات‭ ‬العبثية‭ ‬والتمسك‭ ‬بالوحدة‭ ‬الوطنية،‭ ‬هو‭ ‬الردع‭ ‬الحقيقي‭ ‬والأكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬ضد‭ ‬أي‭ ‬عدوان‭.‬

حماية‭ ‬الخليج‭ ‬من‭ ‬الخطابات‭ ‬والممارسات‭ ‬الإيرانية‭ ‬التضليلية،‭ ‬تتطلب‭ ‬وعياً‭ ‬واسعاً،‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬قوة‭ ‬الدولة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬مؤسساتها،‭ ‬ومنعة‭ ‬المجتمع‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬رفضه‭ ‬لكل‭ ‬أشكال‭ ‬التحريض‭ ‬الأعمى‭ ‬والاصطفافات‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الوطنية‭!‬

‭*‬كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬سعودي