نحو اتحاد خليجي أكثر قوة وتماسكا

| زهير توفيقي

في‭ ‬عالم‭ ‬تتسارع‭ ‬فيه‭ ‬التحولات‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬بوتيرة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ممكنًا‭ ‬لدول‭ ‬منطقتنا‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بدور‭ ‬المتأثر‭ ‬بالأحداث‭. ‬فالتوترات‭ ‬والحرب‭ ‬الدائرة‭ ‬في‭ ‬محيطنا‭ ‬الإقليمي‭ ‬امتدت‭ ‬بتداعياتها‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والأمنية‭ ‬لتلامس‭ ‬واقع‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬وشعوبها،‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬ضرورة‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬أكثر‭ ‬تقدمًا‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬الخليجي‭ ‬المشترك‭.‬

لقد‭ ‬كشفت‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬حققته‭ ‬من‭ ‬إنجازات‭ ‬تنموية‭ ‬واقتصادية،‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مظلة‭ ‬تكاملية‭ ‬أكثر‭ ‬قوة‭ ‬وصلابة،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬مكتسباتها‭ ‬وتعزيز‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬اتحاد‭ ‬خليجي‭ ‬يضم‭ ‬جميع‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬التجارب‭ ‬التكاملية‭ ‬الناجحة،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬تجربة‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭.‬

إن‭ ‬قيام‭ ‬اتحاد‭ ‬خليجي‭ ‬حقيقي‭ ‬يمثل‭ ‬خطوة‭ ‬استراتيجية‭ ‬نحو‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬اقتصادية‭ ‬وأمنية‭ ‬متكاملة،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬توحيد‭ ‬العملة‭ ‬الخليجية،‭ ‬وفتح‭ ‬الحدود‭ ‬بشكل‭ ‬أوسع،‭ ‬وتسهيل‭ ‬حركة‭ ‬المواطنين‭ ‬ورؤوس‭ ‬الأموال،‭ ‬وتنشيط‭ ‬التجارة‭ ‬والسياحة‭ ‬البينية،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬التنافسية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬عالميًا‭.‬

ومنذ‭ ‬تأسيس‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬بالعام‭ ‬1981،‭ ‬سعت‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬إلى‭ ‬تحويل‭ ‬القرب‭ ‬الجغرافي‭ ‬ووحدة‭ ‬الثقافة‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬مؤثرة‭. ‬وتشير‭ ‬الأرقام‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬التجارة‭ ‬البينية‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬يقدّر‭ ‬بنحو‭ ‬146‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬سنويًا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬نحو‭ ‬10‭ % ‬فقط‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬تجارة‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬مع‭ ‬العالم‭ ‬التي‭ ‬تتجاوز‭ ‬1‭.‬6‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬سنويًا‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تبدو‭ ‬حركة‭ ‬التنقل‭ ‬بين‭ ‬شعوب‭ ‬الخليج‭ ‬أكثر‭ ‬نشاطًا،‭ ‬حيث‭ ‬يتنقل‭ ‬نحو‭ ‬19‭ ‬مليون‭ ‬مواطن‭ ‬خليجي‭ ‬سنويًا‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬للسياحة‭ ‬والعمل‭ ‬والزيارات،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬عمق‭ ‬الترابط‭ ‬الاجتماعي‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القوة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لا‭ ‬يقابلها‭ ‬مستوى‭ ‬مماثل‭ ‬من‭ ‬التكامل‭ ‬الاقتصادي‭.‬

اقتصاديًا،‭ ‬يتجاوز‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬لدول‭ ‬المجلس‭ ‬مجتمعة‭ ‬2‭.‬2‭ ‬تريليون‭ ‬دولار،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬مراكز‭ ‬الطاقة‭ ‬والتجارة‭ ‬عالميًا‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬التجارب‭ ‬الدولية‭ ‬تظهر‭ ‬أن‭ ‬التكتلات‭ ‬الكبرى‭ ‬تحقق‭ ‬مستويات‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬التجارة‭ ‬البينية؛‭ ‬ففي‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬تتجاوز‭ ‬هذه‭ ‬النسبة‭ ‬60‭ % ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬تجارتها‭ ‬الخارجية‭.‬

إن‭ ‬رفع‭ ‬نسبة‭ ‬التجارة‭ ‬البينية‭ ‬إلى‭ ‬20‭ % ‬فقط‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يضاعف‭ ‬حجم‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬داخل‭ ‬المنطقة،‭ ‬ويوفر‭ ‬فرصًا‭ ‬أكبر‭ ‬للاستثمار‭ ‬والتكامل‭ ‬الصناعي‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬المشتركة‭.‬

إن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬تمتلك‭ ‬مقومات‭ ‬استثنائية،‭ ‬تشمل‭ ‬الموقع‭ ‬الجغرافي‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬والثروات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والروابط‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬العميقة‭. ‬ومع‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬من‭ ‬إنجازات‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬1981،‭ ‬فإن‭ ‬التحديات‭ ‬الراهنة‭ ‬تستدعي‭ ‬تطوير‭ ‬إطار‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬ليصبح‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المتغيرات‭.‬

إن‭ ‬الاتحاد‭ ‬الخليجي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬خيارًا‭ ‬نظريًا،‭ ‬بل‭ ‬مسارًا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬يعزز‭ ‬قوة‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬وحدته‭ ‬واستقراره‭ ‬في‭ ‬تكامله،‭ ‬ويضمن‭ ‬مستقبله‭ ‬ككتلة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬مصالح‭ ‬شعوبه‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬تتعاظم‭ ‬فيه‭ ‬قوة‭ ‬التكتلات‭ ‬الكبرى‭.‬

نبتهل‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يحفظ‭ ‬خليجنا‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬سوء،‭ ‬وأن‭ ‬يديم‭ ‬عليه‭ ‬نعمة‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭. ‬كما‭ ‬نأمل‭ ‬أن‭ ‬تتكاتف‭ ‬الجهود‭ ‬لتجاوز‭ ‬تبعات‭ ‬الحروب،‭ ‬وأن‭ ‬تستعيد‭ ‬اقتصاداتنا‭ ‬عافيتها‭ ‬بقوة‭ ‬وعزيمة،‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬الازدهار‭ ‬لشعوبنا‭ ‬ويحفظ‭ ‬مكتسبات‭ ‬أوطاننا‭ ‬للأجيال‭ ‬القادمة‭. ‬