تماسك الشعوب الخليجية... عقيدة “الجسد الواحد” في مواجهة التهديدات

| تسنيم عبدالله عيسى

“في‭ ‬الأزمات‭ ‬الكبرى،‭ ‬لا‭ ‬تُختبر‭ ‬أصالة‭ ‬الأمم‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬تجنب‭ ‬الأزمات،‭ ‬بل‭ ‬بصلابة‭ ‬وقوفها‭ ‬كالبنيان‭ ‬المرصوص‭ ‬حين‭ ‬تشتد”؛‭ ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬الجوهري،‭ ‬تجلت‭ ‬صورة‭ ‬استثنائية‭ ‬من‭ ‬التلاحم‭ ‬الشعبي‭ ‬الخليجي‭ ‬ووحدة‭ ‬الصف،‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التهديدات‭ ‬السافرة‭ ‬والعدوان‭ ‬الإيراني‭ ‬الغاشم،‭ ‬والذي‭ ‬استهدف‭ ‬سيادة‭ ‬وأمن‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭. ‬ورغم‭ ‬قسوة‭ ‬هذه‭ ‬الأحداث،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬اختبار‭ ‬للمنظومات‭ ‬الدفاعية‭ ‬لدول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬استفتاءً‭ ‬حيًّا‭ ‬أثبت‭ ‬أن‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬تكتل‭ ‬جغرافي‭ ‬أو‭ ‬سياسي‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬منظومة‭ ‬عضوية‭ ‬مترابطة‭ ‬يجمعها‭ ‬تاريخ‭ ‬ممتد‭ ‬ومصير‭ ‬واحد،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الاستجابة‭ ‬للأزمة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الأطر‭ ‬الرسمية‭ ‬لتستقر‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬الوجدان‭ ‬الشعبي،‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مساس‭ ‬بعاصمة‭ ‬خليجية‭ ‬تهديدًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬لسكينة‭ ‬سائر‭ ‬العواصم‭.‬

ويتضح‭ ‬هذا‭ ‬الترابط‭ ‬العضوي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬الحرجة‭ ‬التي‭ ‬تلت‭ ‬الهجمات‭ ‬بالصواريخ‭ ‬والمسيّرات،‭ ‬حين‭ ‬غاب‭ ‬سؤال‭ ‬“ماذا‭ ‬حدث؟”‭ ‬ليحل‭ ‬محله‭ ‬النداء‭ ‬الوجداني‭ ‬“هل‭ ‬أنتم‭ ‬بخير؟”،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يختزل‭ ‬عقيدة‭ ‬أمنية‭ ‬شعبية‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود،‭ ‬إذ‭ ‬تحولت‭ ‬المكالمات‭ ‬والرسائل‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬مسقط‭ ‬إلى‭ ‬الكويت‭ ‬ومن‭ ‬المنامة‭ ‬إلى‭ ‬الرياض‭ ‬ومن‭ ‬أبوظبي‭ ‬إلى‭ ‬الدوحة‭ ‬إلى‭ ‬جسور‭ ‬من‭ ‬الطمأنينة‭ ‬والدعاء‭ ‬المشترك،‭ ‬ما‭ ‬أثبت‭ ‬حقيقة‭ ‬مؤكدة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬محاولات‭ ‬بث‭ ‬الفرقة‭ ‬أو‭ ‬ترهيب‭ ‬الشعوب‭ ‬لم‭ ‬تؤدِّ‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬الشعور‭ ‬بوحدة‭ ‬المصير،‭ ‬فكل‭ ‬ضربة‭ ‬غادرة‭ ‬كانت‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬تماسك‭ ‬الجبهة‭ ‬الداخلية‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬إضعافها،‭ ‬محوّلة‭ ‬التهديد‭ ‬إلى‭ ‬فرصة‭ ‬لترسيخ‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي‭ ‬بالخطر‭ ‬المشترك.

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬قراءة‭ ‬هذا‭ ‬التلاحم‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬المنظومة‭ ‬القيمية‭ ‬المتجذرة‭ ‬في‭ ‬الشخصية‭ ‬الخليجية،‭ ‬إذ‭ ‬استُحضِرَت‭ ‬قيم‭ ‬“الفزعة”‭ ‬والشهامة‭ ‬من‭ ‬موروثها‭ ‬التقليدي‭ ‬لتصبح‭ ‬أداة‭ ‬سيادية‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات،‭ ‬فتعاملت‭ ‬دول‭ ‬وشعوب‭ ‬المجلس‭ ‬بروح‭ ‬“البيت‭ ‬الواحد”‭ ‬الذي‭ ‬يتداعى‭ ‬سائر‭ ‬أعضائه‭ ‬للنصرة‭ ‬والمؤازرة‭. ‬

وقد‭ ‬تُرجم‭ ‬هذا‭ ‬المبدأ‭ ‬عمليًّا‭ ‬في‭ ‬التنسيق‭ ‬اللوجستي‭ ‬والدبلوماسي‭ ‬رفيع‭ ‬المستوى،‭ ‬إذ‭ ‬تكاملت‭ ‬الأدوار‭ ‬السيادية‭ ‬بانسجام‭ ‬تام؛‭ ‬فبينما‭ ‬كان‭ ‬التحرك‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬لمملكة‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬يرفع‭ ‬صوت‭ ‬الحق‭ ‬الخليجي‭ ‬دفاعًا‭ ‬عن‭ ‬السيادة،‭ ‬كانت‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬تضبط‭ ‬إيقاع‭ ‬المسارات‭ ‬اللوجستية‭ ‬وتؤمّن‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬والطاقة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أدّت‭ ‬سلطنة‭ ‬عُمان‭ ‬دورًا‭ ‬محوريًّا‭ ‬في‭ ‬ضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المواقف‭ ‬المشرفة‭ ‬لدول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون،‭ ‬كدليل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬التضامن‭ ‬الخليجي‭ ‬ممارسة‭ ‬ميدانية‭ ‬فاعلة‭ ‬تتجاوز‭ ‬لغة‭ ‬الخطابات‭ ‬لتصيغ‭ ‬واقعًا‭ ‬أمنيًّا‭ ‬منيعًا‭.‬

هذا‭ ‬التكامل‭ ‬الرسمي‭ ‬قابله‭ ‬وعي‭ ‬شعبي‭ ‬منقطع‭ ‬النظير‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الجبهة‭ ‬الداخلية،‭ ‬إذ‭ ‬أظهرت‭ ‬المجتمعات‭ ‬الخليجية‭ ‬نضجًا‭ ‬سياسيًّا‭ ‬كبيرًا‭ ‬بالالتزام‭ ‬بالتعليمات‭ ‬الرسمية‭ ‬والهدوء‭ ‬الرصين،‭ ‬رغم‭ ‬طبيعة‭ ‬التهديدات‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬السكنية‭ ‬أو‭ ‬الحيوية،‭ ‬رافضة‭ ‬الانجرار‭ ‬خلف‭ ‬حملات‭ ‬التضليل‭ ‬الإعلامي‭ ‬أو‭ ‬الإشاعات‭ ‬الساعية‭ ‬إلى‭ ‬زعزعة‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬الوطنية‭.‬

يؤكد‭ ‬هذا‭ ‬الثبات‭ ‬المجتمعي‭ ‬المقترن‭ ‬باليقظة‭ ‬الرسمية‭ ‬أن‭ ‬منظومة‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬ارتقت‭ ‬لتكون‭ ‬حصنًا‭ ‬جيوسياسيًّا‭ ‬قائمًا‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬ذهبية،‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬“أمن‭ ‬الخليج‭ ‬كلٌّ‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ”،‭ ‬لتبقى‭ ‬وحدة‭ ‬الصف‭ ‬صمام‭ ‬الأمان‭ ‬والدرع‭ ‬التي‭ ‬تتحطم‭ ‬عليها‭ ‬أوهام‭ ‬الهيمنة،‭ ‬وتثبت‭ ‬التجربة‭ ‬التاريخية‭ ‬أن‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬يمتلك‭ ‬من‭ ‬رصيد‭ ‬التضامن‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬عصيًّا‭ ‬على‭ ‬الانكسار،‭ ‬وقادرًا‭ ‬على‭ ‬تطويع‭ ‬الأزمات‭ ‬لتعزيز‭ ‬استقراره‭ ‬وبناء‭ ‬مستقبله‭ ‬الواعد‭.‬

 

باحث‭ ‬مساعد‭ ‬بمركز‭ ‬“دراسات”