الوزير... “زعلان عليك”!

| سعيد محمد سعيد

لا‭ ‬أخفي‭ ‬سرًّا‭ ‬حينما‭ ‬أقول،‭ ‬عن‭ ‬نفسي‭ ‬وعن‭ ‬بعض‭ ‬الزملاء‭ ‬الذين‭ ‬بدأوا‭ ‬حياتهم‭ ‬المهنية‭ ‬أواخر‭ ‬الثمانينيات‭ ‬وأوائل‭ ‬التسعينيات‭.. ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬عن‭ ‬نفسي‭.. ‬هم،‭ ‬وكذلك‭ ‬أنا‭.. ‬“أتخزبق‭ ‬وأموت‭ ‬من‭ ‬الخوف”‭ ‬حين‭ ‬أعلم‭ ‬أن‭ ‬مسؤولًا‭ ‬ما‭ ‬“غاضب‭ ‬علي”‭! ‬بسبب‭ ‬خبر‭ ‬أو‭ ‬تحقيق‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬عمود‭ ‬رأي‭.‬

وأكثر‭ ‬ما‭ ‬يشحنك‭ ‬رعبًا‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الزملاء‭ ‬القريبين‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المسؤول‭ ‬الغاضب‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ (‬يتحفونك‭ ‬بالطمأنينة‭) ‬حينما‭ ‬يقولون‭: ‬“بل‭.. ‬يا‭ ‬ويلك‭ ‬يا‭ ‬سواد‭ ‬ليلك‭ ‬منه‭.. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يرحم”‭! ‬حينها‭ ‬تتمنى‭ ‬أن‭ ‬تختم‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬وتحج‭ ‬وتزكي‭ ‬وتصلي‭ ‬كل‭ ‬النوافل‭ ‬حتى‭ ‬تتنزل‭ ‬عليك‭ ‬رحمة‭ ‬رب‭ ‬العالمين‭.. ‬على‭ ‬أية‭ ‬حال،‭ ‬أتذكر‭ ‬أنني‭ ‬كتبت‭ ‬تقريرًا‭ ‬ممتازًا‭ ‬جدًّا‭ ‬مع‭ ‬المرحوم‭ ‬علي‭ ‬إبراهيم‭ ‬مطر‭ ‬وكان‭ ‬حينها‭ ‬مديرًا‭ ‬لإدارة‭ ‬البريد‭ ‬وكنت‭ ‬صحافيًا‭ ‬مبتدئًا‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬“الأيام”‭ ‬الشقيقة،‭ ‬فإذا‭ ‬بأحدهم‭ ‬يتصل‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬العامة‭ ‬بصوت‭ ‬مصطنع‭ ‬وكأنه‭ ‬في‭ ‬“كهف”‭ ‬ليقول‭: ‬“ترى‭ ‬الوزير‭ ‬زعلان‭ ‬عليك‭ ‬بسبب‭ ‬الحوار‭!‬”‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬لدى‭ ‬ذلك‭ ‬الشخص‭ ‬أية‭ ‬إجابة‭ ‬على‭ ‬استفساري‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬جرى‭! ‬لكن‭ ‬من‭ ‬محاسن‭ ‬الصدف‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬أغطي‭ ‬مجلس‭ ‬عائلة‭ ‬المحمود‭ ‬الكرام‭ ‬الرمضاني‭ ‬في‭ ‬ليلة‭ ‬زيارة‭ ‬المغفور‭ ‬له‭ ‬بإذن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬خليفة‭ ‬بن‭ ‬سلمان‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬طيب‭ ‬الله‭ ‬ثراه،‭ ‬وكان‭ ‬برفقته‭ ‬سمو‭ ‬الشيخ‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬خليفة‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬مستشار‭ ‬سمو‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬أطال‭ ‬الله‭ ‬عمره،‭ ‬وكان‭ ‬آنذاك‭ ‬وزيرًا‭ ‬للمواصلات‭.. ‬سلمت‭ ‬عليه‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬الزملاء‭ ‬الحاضرين،‭ ‬وإذا‭ ‬بسمو‭ ‬الشيخ‭ ‬“بوخليفة”‭ ‬يشكر‭ ‬بتواضع‭ ‬جم‭ ‬وكلمات‭ ‬راقية‭ ‬معجبًا‭ ‬بالتقرير.

كذلك،‭ ‬كتبت‭ ‬تقريرًا‭ ‬عن‭ ‬مشروع‭ ‬توسعة‭ ‬مجمع‭ ‬السلمانية‭ ‬الطبي،‭ ‬وإذا‭ ‬بنسخة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬ذات‭ ‬الشخص‭ ‬يتصل‭ ‬“بليب‭ ‬وراء‭ ‬بليب”‭ ‬لأرد‭ ‬عليه‭ ‬فيقول‭: ‬“وش‭ ‬سويت‭.. ‬الوزير‭ ‬زعلان‭!‬”،‭ ‬والنتيجة‭ ‬هي‭ ‬هي‭: ‬لا‭ ‬توضيح‭ ‬عنده،‭ ‬المهم،‭ ‬حضرت‭ ‬مؤتمرًا‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬رعاه‭ ‬وزير‭ ‬الصحة‭ ‬آنذاك‭ ‬الأستاذ‭ ‬جواد‭ ‬بن‭ ‬سالم‭ ‬العريض‭ ‬أطال‭ ‬الله‭ ‬عمره،‭ ‬سلمت‭ ‬عليه‭ ‬وفاجأني‭ ‬بالقول‭: ‬“ممتاز‭ ‬تقرير‭ ‬التوسعة‭.. ‬مر‭ ‬علي‭ ‬المكتب‭ ‬عندي‭ ‬لك‭ ‬أشياء‭ ‬مهمة”،‭ ‬وبالفعل،‭ ‬زرت‭ ‬الوزير‭ ‬وأعطاني‭ ‬مذكرة‭ ‬فيها‭ ‬تفاصيل‭ ‬مشاريع‭ ‬مهمة‭ ‬وكل‭ ‬الذي‭ ‬قاله‭ ‬لي‭: ‬“أوصيك‭ ‬أن‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬المعلومات‭ ‬بذكاء‭.. ‬كما‭ ‬فعلت”‭.‬

أما‭ ‬بعد،‭ ‬أتعبتني‭ ‬المهنة‭ ‬طيلة‭ ‬38‭ ‬عامًا‭ ‬لكن‭ ‬عشقها‭ ‬يسري‭ ‬في‭ ‬دمي‭.. ‬أما‭ ‬لنماذج‭ ‬“الفزاعة‭ ‬والغضب‭ ‬والزعل‭ ‬المزعوم”‭ ‬بكل‭ ‬أشكالهم،‭ ‬أقول‭: ‬“دعوا‭ ‬الزملاء‭ ‬والزميلات‭ ‬وخصوصًا‭ ‬الشباب‭ ‬يعملون‭ ‬بثقة‭ ‬واحترام‭ ‬وادعموهم،‭ ‬فالمهنية‭ ‬الراقية‭ ‬تفرض‭ ‬احترام‭ ‬الجميع”‭.. ‬ولا‭ ‬تتكلمون‭ ‬بنغمة‭ ‬“الكهف”‭.‬

 

كاتب‭ ‬بحريني