آيديولوجية القتال الدائم... الأساطير المؤسسة للوهم

| كمال الذيب

المتابع للدعاية الآيديولوجية التي تبرر الحروب والاعتداءات والقتل المنهجي والاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، يكتشف أن جلها يستند إلى سرديات مؤسسة ومبررة للعنف والتعدي، وهي وإن اختلفت في مرجعياتها القديمة، فإنها تلتقي في المنظور والتداعيات والنتائج. وينبئنا التاريخ عن حروب وحملات وتصفية وقتال وجهاد لا هوادة فيها، استنادًا إلى تلك السرديات والمرويات التي غالبًا ما تكون مبنية على أساطير مؤسسة للوهم، لا تستقيم مع العقل ولا مع حقائق التاريخ. ومن بين أهم المرتكزات التي تُبنى عليها هذه الصراعات القتالية المستمرة: أولًا: شعار “الحروب المقدسة” لحشد الجماهير وضمان ولاء المقاتلين حتى الموت، ومنع أية فرصة للسلام الدائم المبني على العدل والتعايش، وهذا يتطلب صناعة العدو المطلق الذي من دونه يصبح الوجود مرادفًا للعدم، فإذا لم يكن هناك هذا العدو الخارجي، تتم صناعة عدو داخلي، بل وحتى من بين مكونات المجموعة الواحدة بـ “اختراع” السرديات والأساطير المبررة للحرب. فتتحول آيديولوجية القتال الدائم إلى قضية وجودية؛ إذ يُنظر للآخر كـ “شيطان” وشر، ما يجعل التسوية السياسية معه بمنزلة خيانة المقدس. ثانيًا: صناعة الوهم أو الخرافة المرجعية: فالحروب تتغذى على مخاوف وهمية وخرافات يتم ترسيخها في الوعي الجمعي لتصوير الصراع كقدر حتمي لا فرار منه، وأن أي حديث عن السلام هو مجرد هراء.  ثالثًا: استدعاء صراعات الماضي وإسقاطها على الحاضر، فيبدو الحاضر تكرارًا للماضي، ما يحول دون تحقيق أية فرصة للسلام والتعايش والاستقرار المؤسس للازدهار. رابعًا: الاستناد إلى فكرة “نهاية العالم”، حيث يُعتقد أن القتال ليس وسيلة لتحقيق هدف دنيوي، بل هو واجب مقدس بحد ذاته، لأنه يمهّد لنهاية الزمان، أو “لمعارك الخلاص” التي تسبق تحقيق النبوءات. ما يعزز حتمية الحروب لتسريع الخلاص، فيصبح “القتال الدائم” استراتيجية “بقاء روحية قبل أن تكون عسكرية”. إنَّ هذه السرديات التي تسند إليها هذه القوى وأتباعها عبر العالم، تقوم بتأطير الصراع بمرجعية آيديولوجية، لتحويل الصراع السياسي إلى صراع ديني بتوظيف واستخدام نصوص أو روايات دينية لشرعنة المواجهات وتصويرها كأوامر إلهية، كجزء من ملحمة كونية بين قوى الخير والشر، ما يجعل التعايش والسلام مستحيلين ضمن هذا المنظور.

كاتب وإعلامي بحريني