جبهات من زجاج: غواية التطبيقات تستحيل خرائط للموت

| ياسر سليم

في خنادق الحروب القديمة، كان الصمت درعًا، وكانت المسافة بين الحياة والموت تُقاس بصلابة المتاريس.  أما اليوم، فقد صار المقاتل يحمل خندقه في جيبه: هاتفًا ذكيًّا يتوهج كعينٍ لا تنام، يلتقط نبضه ويرسله، ببراءة مُغرية، إلى سحابة لا يعرف لها سيدًا.  هكذا نشأت “الميادين الزجاجية”، حيث لا تحجبك الأرض ولا تسترك السماء، لأنك ببساطة اخترت أن تُرى بملء إرادتك. لم تعد سرعة الاتصال ميزة تكتيكية خالصة، بل صارت “ثغرة وجودية” بامتياز.  فبينما يظن الجندي أنه يختصر الزمن بإرسال رسالة أو بث مقطع، يكون في الحقيقة قد دخل طوعًا في “فخ الاتصال المريح”، حيث تتحول كل إشارة إلى أثر، وكل أثر إلى هدف. ما تكشفه واقعة استغلال تطبيق “تيليجرام” الروسي عبر شركة ألمانية ناشئة — هي  “لانسلوت سيستمز”— لتتبع الجنود الروس وكشف تحركاتهم، ليس مجرد اختراق تقني، بل انهيار سردية كاملة اسمها “السيادة الوهمية”.  لقد راهنت دول كبرى على أن الابتعاد عن المنصات الرقمية الغربية يساوي الأمان، وأن الاحتماء بتقنيات “صديقة” يمنح حصانة سيبرانية.  لكن الحقيقة كانت أكثر سخرية: لقد انتقلت من قفص إلى آخر، ومن رقابة إلى رقابة أكثر دهاءً. في هذا السياق، يبدو المشهد الإيراني—كما الروسي— مثالًا صارخًا على هذا “الارتداد الاستخباري”. فالأدوات التي صُممت لتأمين الاتصال، تحولت إلى قنوات تسريب ناعم، لا لأن فيها خيانة متعمدة، بل لأن “المنطق البرمجي” نفسه لا يعرف الولاء، بل يعرف فقط كيف يُحلَّل ويُستغل. إنها مفارقة العصر: كلما زادت سهولة الاستخدام، زادت قابلية الانكشاف.  وكلما شعرت بالأمان، كنت أقرب إلى أن تُرى بالكامل. الفكرة التي قدمتها تلك الشركة الناشئة ليست عبقرية بقدر ما هي مرعبة في بساطتها: لا حاجة لاختراقك، يكفي أن تراقب ما تنشره.  هكذا تحولت “ثرثرة الجنود” إلى ذهب استخباري، وصارت الفيديوهات التي تُرفع بدافع الفخر أو التوثيق، مجرد “إحداثيات موت” مؤجلة. هنا تتجلى “الشفافية القسرية” في أقسى صورها.  فالمقاتل الذي يبث موقعه أو معداته أو حتى ظلال المشهد من حوله، يفتح نافذة تحليل لا تُغلق.  ومن برلين إلى كييف، يمكن لمحلل يجلس خلف شاشة أن يعيد تركيب المشهد، لا بوصفه قصة، بل كخريطة استهداف. لم يعد العدو بحاجة إلى أن يراك… يكفي أن تنظر أنت.  اللحظة الأكثر إثارة للسخرية السوداء، هي تلك التي تدرك فيها الدولة أن “شريانها الرقمي” ليس تحت سيطرتها.  حينها، يصبح القرار بحجب التطبيق أشبه بقطع الأوكسجين عن الجسد.  هذا ما يخلق “تيه الإشارة”: ارتباك شامل، انهيار في التنسيق، وشلل في القيادة. في تلك اللحظة، تنكشف هشاشة البنية الحديثة للحرب.  فالجيوش التي بدت كعمالقة فولاذيين، تتعثر فجأة لأن تطبيقًا مدنيًّا توقف عن العمل.  وهنا يتحول “كعب أخيل” من نقطة ضعف صغيرة إلى صدع استراتيجي واسع. وإذا كان هذا حال قوى كبرى، فما الذي يمكن أن يحدث في مواجهات قادمة، حيث تتداخل التكنولوجيا مع العقيدة، ويُبنى التخطيط العسكري على منصات لا تملكها فعليًّا؟ نحن أمام تحول جذري: لم تعد الحرب صراعًا على الأرض فقط، بل على “الظهور”. من يُرى أولًا… يُستهدف أولًا. ومن يُحلَّل بدقة… يُهزم قبل أن يتحرك. لقد دخلنا عصر “الاستباحة السيبرانية”، حيث لا تحتاج الجيوش إلى اختراق الأنظمة بقدر ما تحتاج إلى الصبر على تدفق البيانات.  فالعالم —بكل بساطة— بات يتحدث أكثر مما ينبغي. في النهاية، لم تعد المعركة تُحسم بصلابة الدروع، بل بقدرتك على أن تبقى “غير مرئي” في عالم مصاب بهوس الرؤية.  لم يعد السؤال: من يملك السلاح الأقوى؟ بل: من يملك الصمت الأذكى؟ وربما، في مكان ما، يجلس مقاتل في خندقه، يلتقط صورة عابرة، أو يرسل رسالة سريعة، غير مدرك أن الرصاصة التي ستجده… لم تُطلق بعد… بل خرجت أولًا من هاتفه.