الحرب النفسية وخطورة السوشال ميديا
| رضي السماك
ما اندلعت حرب عسكرية إلا وكانت بموازاتها بين طرفيها حرب نفسية لا تقل ضراوةً عنها، بل هي تضاهي الأولى في الأهمية في إنهاك العدو وتحطيم معنوياته النفسية. لكن الحرب النفسية اليوم لم تعد تلك التي تعلمناها نحن على سبيل المثال في أوائل السبعينيات، والتي كانت ساحتها وسائل الاتصال الجماهيرية التقليدية، كالراديو والتلفزيون والصحف والسينما، بل أضحت “السوشال ميديا” هي ساحتها الرئيسة وهي ساحة في منتهى الخطورة في صراع أطراف الحروب على كسب العقول بفن التضليل واستغلال عدم تمتعها بالوعي الكافي للتمييز بين الأكاذيب والحقائق. كان الروائي البريطاني الكبير جورج أورويل (ت 1950) ممن تنبأوا مبكرًا بخطورة تقدم التكنولوجيا بأن تصبح في يد الدولة العميقة، ما يهدد حرية الإنسان واستقلاله الفكري، وكان هذا في وقت لم تُخترع بعد “السوشال ميديا”. وفي الحرب الراهنة نرى كيف يوظف أطرافها “السوشال ميديا” على نطاق واسع، ولا تتورع طهران - كما أشرنا في المقال السابق - عن مضاهاة المعتدين عليها في الكذب الصريح ليلا نهارا، بأنها تستهدف فقط الأهداف الأميركية في دول الخليج العربي، فيما تدك مسيراتها وصواريخها المنشآت المدنية والسكنية والاقتصادية والصحية وخزانات المياه والطاقة وخلافها، بل هي لا تستثني الأطفال والمدارس والجامعات والأسواق! وقد رأينا من مشاهد هذه الحرب النفسية التي انطلت على الكثيرين حاملات طائرات تُغرق وأبراجا شاهقة تلتهمها النيران، وهكذا لم تعد أيضاً منصات السوشال ميديا محايدة في هذه الحرب النفسية الفتاكة. ومن جانب آخر، فإن واشنطن بدخولها في حلف ثنائي مع إسرائيل لإرضاء الأخيرة لشن هجوم على إيران، لا يبدو أنها استفادت من دروس حروبها السابقة في الخليج من حيث تهاوي أكاذيبها، والتي استخدمتها عبثًا لإقناع شعبها بضرورة غزو العراق عام 2003 خلال إدارة جورج دبليو بوش.
والذي برر ذلك بأن صدام حسين يمتلك أسلحة نووية وأنه متورط في ضرب برجي نيويورك، مضيفًا: بأن الحرب ستنتهي خلال بضعة أسابيع قليلة، ولن تكلف سوى بضعة مليارات، وأن حركات التطرف ستُسحق، وأن العراق سيغدو منارة للديمقراطية في المنطقة، لكن - وكما عبّر عن حق جيمس زغبي رئيس المعهد العربي الأميركي - فقد نجمت حربه على العراق عن قتل آلاف الأميركيين ومئات الآلاف من العراقيين، فيما بلغت تكلفة الحرب سبعة تريليونات دولار، وكانت إيران المستفيد الأكبر، إذ عززت نفوذها في العراق من خلال من جاءوا على دبابات الغزو الأميركي من حركات الإسلام السياسي الشيعي، بل وتمكن “داعش” إبان حكومة نوري المالكي زعيم إحدى تلك الحركات (الدعوة) من غزو العراق من بوابة الموصل، ومن ثم ارتكابه مئات المجازر بحق المدنيين الأبرياء. وحتى صحيفة “فيجارو” اليمينية الفرنسية كتب رينو جيرار أحد محلليها تحت عنوان: “ترامب في إيران.. وهم تغيير الأنظمة” بأن الأنظمة التي تفرض من الخارج لا تدوم طويلاً، في الشرق الأوسط’ كما في أماكن أخرى، مضيفاً: “ومن الغريب أن الولايات المتحدة التي تأسست أصلًا على مبادئ مناهضة الاستعمار، لا تزال عاجزة عن استيعاب وإدراك هذه الحقيقة”.
* كاتب بحريني