رسائل البحرينيين
| محمد عبدالله العلي
في كتاب “أوراق من تاريخ البحرين” اخترتُ 80 رسالة كُتِبَت بين عامَيْ 1967 و1975م، خطَّها بحرينيون. بعد تصنيف تلك الرسائل عاطفيًّا وأخلاقيًّا، ووضع المحددات لها تتبيَّن لكَ صورة الناس في تلك الفترة. لقد وجدتُ ألفًا و158 تكرارًا عاطفيًّا في تلك الرسائل، كالحب، والأخوَّة، والتعاون، والتمني، والشوق، والإنصاف وغيرها، وألفًا و80 تكرارًا أخلاقيًّا، كالاحترام، والمسؤولية تجاه الآخر، والتعاطف، والتفقُّد، والتقدير. في الرسائل تجد مفردات: “الابن الحنون” و”هَمُّنا وألمنا هو فراقك، وذكراك هي سلوتنا ليل نهار”، و”أنتَ فخرٌ وعزٌّ لنا”، و”حضرة الوالد العزيز”، و”أسأل الله القدير أن يجَعَلَنا وإخوتي تحت ظلِّك الميمون”، و”لقد أضناني الشوقُ إليك”، و”جناب الأكرم المكرَّم حميد السجايا والشِّيَم”. هكذا كانت اللغة المستخدَمَة في التخاطب بين البحرينيين. اليوم لم تعد تلك اللغة مألوفة، بل ربما يخجل البعض من قولها. لقد كانت الرسائل في السابق لها طقوسها الخاصة. فمع عدم وجود كل هذه التسهيلات التي نملكها اليوم، كان على المرء أن يكون قادرًا على القراءة والكتابة أولاً، في لحظة كان هناك اثنا عشر ألفًا وخمسمئة وخمسة وستون شخصًا أُمِّيًّا في البحرين عام 1971م. لذلك كان هؤلاء يقصدون بعض الكُتَّاب أو “الكرانيين” كما كانوا يُسمَّون، لمساعدتهم في كتابة رسائلهم لأهاليهم وأصدقائهم. كذلك، تحتاج كتابة الرسائل في القرن الماضي إلى ميكانيزما خاصة: أوراق، وأقلام، وبريد، وبواخر، كانت تنقل الرسائل بشكل سنوي في القرن التاسع عشر، ثم أصبحت ثماني رحلات في السنة، ثم أصبحت كل أسبوعين، ثم كل أسبوع. هذا يعني أن الموضوع مرتبط بالندرة. فكلما زادت ندرة الأشياء زادت قيمتها، وكلما زادت وفرتها انخفضت قيمتها. الأمر يسري كذلك حتى على العلاقات الاجتماعية، التي لم تكن وقتها كبيرة في البحرين بسبب ضعف شبكة المواصلات، مع وجود عدد محدود من السيارات، وبالتالي كانت مساحة الصمت بين الناس أكبر من مساحة أحاديثهم وتعبيراتهم، بعكس اليوم حيث الصخب الذي يُنتج تعودًا عاطفيًّا.
كاتب بحريني