نحو منظومة وطنية لتقييم أداء غرفة البحرين بين الإشراف القانوني وثقافة التميز المؤسسي
| خالد عبدالله المرباطي
في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة وتعاظم دور القطاع الخاص في دعم النمو والاستثمار، لم يعد كافيًا أن تُدار المؤسسات ذات النفع العام وفق أطر تنظيمية تركز على سلامة الإجراءات وانتظام الحسابات فحسب، بل أصبح من الضروري اعتماد منظومات حديثة لقياس الأداء تقوم على معايير واضحة ومؤشرات قابلة للقياس وتقييم مستقل يربط بين الأهداف والنتائج. وتُعد غرفة تجارة وصناعة البحرين مؤسسة ذات نفع عام تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وتمثل شريحة واسعة من القطاع الخاص، وتخضع لإشراف وزير الصناعة والتجارة وفقًا لقانونها. غير أن القراءة المتأنية للنصوص التنظيمية تكشف أن الرقابة القائمة تتركز في جانبها الأكبر على المشروعية وسلامة الإجراءات، مع وجود تدقيق مالي يضمن الالتزام بالموازنة، من دون أن تمتد بصورة واضحة إلى قياس كفاءة الإنفاق أو أثر الأنشطة والبرامج على الأعضاء والاقتصاد الوطني. فلا توجد في الإطار الحالي مؤشرات أداء رئيسية معلنة، ولا نظام تقييم سنوي مستقل، ولا التزام بنشر نتائج مقارنة بين المستهدفات والنتائج الفعلية. وبهذا تبقى الرقابة قائمة من حيث الشكل، لكنها لا ترقى إلى منظومة تقييم مؤسسي حديثة تقيس الجودة والفاعلية والأثر. وعند البحث عن نماذج يمكن الاستفادة منها، تبرز التجربة السعودية في تقييم الغرف التجارية. فقد وضعت وزارة التجارة السعودية إطارًا مؤسسيًا لتقييم أداء الغرف عبر اتحاد الغرف السعودية، يقوم على معايير معتمدة وتقييم سنوي من جهة استشارية مستقلة. وتعتمد المنظومة على خمسة محاور رئيسة تتفرع إلى 51 مؤشر أداء تشمل الخدمات التنظيمية، وحوكمة بيئة العمل، والأداء الاستراتيجي، والاستدامة المالية، والتوعية والتحول الرقمي. كما يشترط النظام تحقيق حد أدنى للأداء يبلغ 60 % من إجمالي التقييم، مع إلزام الغرف بنشر النتائج، وعدم جواز استمرار الجهة المقيمة لأكثر من ثلاث سنوات متتالية. وقد انعكس ذلك في نتائج معلنة عززت ثقافة الشفافية والتنافس الإيجابي، كما حدث مع غرفة الرياض وغرفة جدة. هذه التجربة تؤكد أن استقلال الغرف لا يتعارض مع وجود نظام تقييم صارم وشفاف، بل يعزز مصداقيتها ويرفع من كفاءتها المؤسسية. وليس من الضروري استيراد نموذج خارجي بالكامل، فالبحرين تمتلك مرجعية وطنية متقدمة في مجال التميز المؤسسي من خلال برنامج التميز الحكومي، الذي يشمل “برنامج تقييم” وجائزة التميز للحكومة الإلكترونية، ويأتي في إطار تحقيق مستهدفات رؤية البحرين 2030. ويقوم هذا البرنامج على معايير واضحة، ومؤشرات كمية ونوعية، وقياس رضا المستفيدين، وتقييم مستقل، وربط النتائج بخطط تحسين. إذا كانت الجهات الحكومية تخضع لمنظومة قياس دقيقة تعزز الكفاءة والشفافية، فمن المنطقي أن تُستمد من هذه التجربة فلسفة مماثلة يمكن تطبيقها – مع مراعاة الطبيعة القانونية – على الغرفة، باعتبارها مؤسسة ذات أثر عام وتمثل شريكًا أساسيًا في التنمية الاقتصادية. وعليه، يمكن تطوير إطار وطني لتقييم أداء الغرفة يقوم على اعتماد معايير رسمية بقرار وزاري، تشمل محاور رئيسة مثل جودة الخدمات للمشتركين، والحوكمة والشفافية، والأداء الاستراتيجي، والاستدامة المالية، والتحول الرقمي ورضا الأعضاء. كما يمكن إسناد التقييم إلى جهة مستقلة معتمدة، وتحديد حد أدنى للأداء، مع إلزام نشر النتائج لتعزيز الشفافية، ووضع خطة تحسين زمنية في حال تدني التقييم. من الناحية القانونية، ينص قانون الغرفة على أن الغرفة تخضع لإشراف الوزير، وهو نص يمنح سلطة رقابية عامة يمكن أن يُستند إليها لإصدار إطار تنظيمي لتقييم الأداء من حيث المبدأ. غير أن النصوص الحالية لا تتضمن مادة صريحة تنظم تقييم الأداء أو تحدد معاييره وآثاره. لذا، فإن الخيار الأكثر استقرارًا تشريعيًا – إذا أُريد للتقييم أن يكون ملزمًا ويرتب آثارًا مؤسسية واضحة – هو إدراج نص صريح في قانون الغرفة ينظم تقييم الأداء، على أن تُفصل اللائحة التنفيذية آلياته.
إن تطوير آلية لتقييم أداء الغرفة لا ينبغي أن يُنظر إليه كأداة رقابية إضافية، بل كخطوة لتعزيز الثقة ورفع الكفاءة وترسيخ ثقافة التميز المؤسسي. فالمساءلة الحديثة لا تقوم على وجود نصوص قانونية فحسب، بل على القياس الموضوعي، والشفافية، وربط الأهداف بالنتائج. وعندما تصبح ثقافة التقييم جزءً من العمل المؤسسي، فإن ذلك يرسخ مكانة الغرفة كشريك فاعل في تحقيق التنمية المستدامة ويعزز ثقة القطاع الخاص في أدائها ودورها الوطني.