صناعة السيادة الوطنية.. “أكاديمية الوعي الاستراتيجي” نموذجًا
| محمد طلعت عبدالعزيز
نأمل أن تكون مثل هذه القراءات عونًا رصينًا لصناع القرار الاستراتيجي؛ في إلهامهم إضاءةً جانبية للحوار المجتمعي المشترك، لأنني ومن وجهة نظري المتواضعة، أرى أنه آن الأوان لفك الارتباط الفكري؛ مع المدارس العابرةِ للقارات واستعادة استقلاليتنا المعرفية - والحرب الحالية أصدق تمثيل، فبينما ننشغلُ ببناءِ ناطحات السحاب وترسيخ الاقتصاداتِ الرقمية، - ننسى أحيانًا- أن الحصن الحقيقي لأية دولةٍ ليس في خزائنها، بل في “النخاع الشوكي” لنخبها المؤثرة. واليوم، وفي ظل عالمٍ يموج بالاضطرابات، تبرُز أهمية إنشاء “أكاديمية الوعي الاستراتيجي” كضرورة أمن قومي قصوى، لا كرفاهية أكاديمية، وسبق لي منذ عشر سنوات المناداة بإنشاء ديوان الرقابة الاستراتيجية في كل دولة خليجية من أجل ضمان سير الخطط الاستراتيجية بفاعلية، واستلام نتائجها بعد فحصٍ وتمحيص وتطابقٍ مع رؤية كل دولة على حدةٍ وبالتزامن مع رؤية المجتمع الخليجي الأم. ولهذا، فإن المتفحص بنظرة استراتيجية سياسية محايدة يجد أن نخبة من مفاصلنا الإدارية المهمة قد ارتهنت لفترات طويلة لمكاتب استشارية عابرة للقارات؛ تبيعنا حلولاً “معلبة” صُممت في بيئات غريبة عنّا تماماً كونهم – مهما حاولوا - يجهلون “هندسة كيمياء المجتمع الخليجي”، ولا يدركون أبعاد أمننا الجيوسياسي. لذا فإن الاعتماد المفرط على “المنتج الفكري الأجنبي أو ما يسمى وهم المستشار الأجنبي” لا يشكل فقط استنزافًا ماليًّا فحسب، بل هو “انكشاف استراتيجي” يجعل مفاصل الدولة مكشوفة أمام رؤى لا تخدم بالضرورة طموحنا السيادي.
إن ما نطرحه في هذا المقال ليس مجرد جامعة تمنح الشهادات، بل هو “مصنع للسيادة الفكرية”. فدور الأكاديمية هو “تأميم الوعي الاستراتيجي”؛ أو بصورة أخرى إعادة إصدار منظومة “وعي سياسية خليجية” جديدة، وأن تكون هذه المنظومة الفكرية هي العقل الناظم الذي يمُلي فلسفة مناهجنا، وندواتنا، والسيولة الفكرية في أنهار عقولنا، كي نتوقف للأبد عن تخريج “موظفين” ونبدأ في صناعة “مفكرين استراتيجيين” يقرأون الخارطة السياسية قبل المنهج التعليمي. إن هذه الأكاديمية التي ننادي بها يجب أن تكون “الشريك الأساسي” الذي يضع المعايير لوزارات الشباب والرياضة ومنظمات المجتمع المدني. فمن العبث أن نترك “القوة الناعمة” ومؤثري الفضاء الرقمي يسبحون في بحر من السطحية والترفيه الفارغ، بينما نحتاجهم كـ “جنود دبلوماسيين” يملكون أدوات الردع الفكري في وجه حملات التشويه والاختراق. فالأكاديمية في طرحنا الفكري “مشرطُ جراحٍ سياسي” لا “مقعد دراسي تعليمي”. ولنعلم جميعًا أن هدفنا الأسمى من ذلك هو كسر احتكار البيروقراطية التقليدية، وخلق نخبة “تكنوقراطية” فريدة من نوعها، نخبة تجمع بين أحدث مهارات الإدارة العالمية، وبين الولاء المطلق للدولة الوطنية إرثها وأفكارها. نحنُ بحاجةٍ ماسة إلى “تكنوقراط معاصرين” لا يهتز وعيهم أمام الأجندات الخارجية، لأنهم حصنوا أنفسهم داخل مختبرات هذه الأكاديمية الفكرية عبر هندسة النخبة الجديدة. فهل هذا الحلم يصعب على مقدراتنا العربية في كل دولة رصينة تنفيذه بأيدي سواعدها الوطنية؟ سؤال أضعه أمام الساسة وصناع القرار!!؟ إن استشراف المستقبل وفق الرؤى والنظريات السياسية من خلال مراكز الأبحاث والدراسات العالمية، يؤكد أن الصراع القادم هو “صراع عقول” وهو الرهان على العقد القادم مهما اختلفت الرؤى فالنتيجة واحدة، وبعد عشر سنوات من الآن، حين تخرج هذه الأكاديمية أفواجها، لن نكون بحاجةٍ لاستجداء الحلول من الخارج. لأننا سنرى مفاصل الدولة تُدار بعقل جمعي واحد، ومنظومة حوكمة رشيقة، وسياسة تقودها نخب خليجية تضع مصلحة المنطقة فوق أي اعتبار إقليمي أو دولي. وفي نهاية أطروحتي الفكرية التي أضعها بين المفكرين والعلماء على طاولة البحث العلمي المنضبط؛ أقول إن “أكاديمية الوعي الاستراتيجي” هي قرارنا باستعادة “زمام المبادرة الفكرية”. وهي الحصن الذي سيجعل من الخليج العربي رقمًا صعبًا لا يمكن تجاوزه في معادلة القوى العالمية، بل سيجعلنا من نفرض موازين القوى وفق رؤانا الاستراتيجية المتموضعة حول مستقبلنا العربي الواحد المشترك. فقد انتهى زمن التبعية الفكرية.. ويبقى الأمر وجهة نظر!.
باحث في شؤون الإعلام والوعي الاستراتيجي وعلم النفس السياسي