حين تُجرح الأرض... يتحول البحرينيون إلى سورٍ من القلوب
| سيد ضياء الموسوي
هناك لحظات في تاريخ الشعوب لا تُقاس بالسنوات، بل بالنبض. لحظات تصبح فيها الجغرافيا امتحانًا للروح، ويصبح الوطن سؤالًا أخلاقيًا قبل أن يكون حدودًا على الخريطة. انه نبض البحريني الغيور على ترابه، على تاريخه، على كل جغرافيا القلب والروح والنفس على وطن اسمه البحرين. هنا يتنشق الوطن عبق الانتماء، هنا تفرج الأرض عن ابتسامتها وهي تنظر لأبناء أنجبتهم وأعطتهم ووهبتهم ولادتها وبراءتها كيف يضعون الجرح على الجرح والألم على الألم ليتقاسموا التضحية في سبيل الأرض. عندما يتوجع الوطن، عندما تجرح الأرض يقف الجميع لأجل عين الوطن، فلا مجال إلا بالوقوف استشرافًا لعلياء الوطن. في تلك اللحظات، لا ينجو وطنٌ بالحياد، ولا تُحمى أرضٌ بالفرجة. هناك فقط خيار واحد: أن تتحول الجماعة إلى جسدٍ واحد… إلى قلبٍ واحد. إنها “الإرادة العامة” إرادة نبض شعب وقيادة..متوحدة لصنع إضاءة بل إشراقة وطنية على جبين الشمس، وفوق ناصية القمر. قال الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو إن المجتمع لا يقوم إلا على ما سماه الإرادة العامة؛ أي تلك اللحظة التي يتجاوز فيها الفرد أنانيته ليذوب في مصلحة الكل. فالوطن في أوقات الشدائد ليس فندقًا نقيم فيه حين نرتاح، بل قلعة صلبة عنيدة وعصية على الخطر بسواعد أبنائها. أعطتك البحرين ولادة، وشبابا، و نضارة ومنحتك من ثمارها ووهبتك كحل عينها فماذا أنت قدمت للبحرين؟ أقل القليل أن تعطيها تضامنك مع كل شيء يرتبط بعيونها، بقلبها، بروحها. إنها لا تثقل عليك بشيء مثل أمٍ تنتظر التقدير من أبنائها بعد طول عمر من الكفاح لأجل عيونهم، وهكذا هي البحرين، فليس كثيرًا عليها أن تتضامن مع كل الندوب التي امتلأت بخاصرتها من عدوان أقل ما يقال عنه غاشم وغبي ولا إنساني …غاشم لأننا لم نكن طرفا في الحرب، وغبي لأنه جرح قلوب الخليجيين جرحًا لن يندم لسنين، بل سبّب صدمة حتى لمن كانوا مؤخرًا في جهد المفاوضات الدبلوماسية، فلم يوفر حتى عمان فالعمانيون ليس أقل صدمة من بقية دول الخليج، و لا إنساني لأنه استهدف دولا ساهمت لإنقاذه بالحوار والدبلوماسية، ولم تسمح لاستخدام أراضيها في الحرب، وفوق ذلك نالت أكثر الصواريخ والمسيرات حصة فوق أرضها حتى المدنيين والمنشآت المدنية لم تسلم وليس آخره ما حدث للمحرق والمنامة وسترة الخ. ويبقى التضامن الاجتماعي للبحرينيين سيد الموقف نبضا بنبض ووريدا بوريد وروحا بروح.
ذاك هو الخيط اللامرئي الذي يربط قلبك بها، ذاك هو الشعاع الذي يبزغ بضميرك. نعم التضامن الاجتماعي الذي ذكره عالم السوسيولوجيا اميل دوركايم. ففي علم الاجتماع يشرح إميل دوركايم مفهوم التضامن الاجتماعي؛ ذلك الخيط غير المرئي الذي يجعل ملايين البشر يشعرون بأن مصيرهم واحد. فحين تتعرض الجماعة للخطر، ينشأ ما يسميه علماء الاجتماع “الضمير الجمعي”، حيث تتحول الأفراد إلى شبكة عصبية واحدة، تتألم معًا وتقاوم معًا. وليس هناك أعظم من الضمير الجمعي البحريني بأن نتعاون جميعا هذا بالكلمة، وهذا بالفعل، وذاك بالقلم كخلية للدفاع عن البحرين. الوطن في الشدائد ليس مجرد تراب… إنه ذاكرة مشتركة. إنه قبور الأجداد، وضحكات الأطفال، وصوت الأذان في الفجر، وجرس المدرسة في الصباح.
ولهذا قال المؤرخ والفيلسوف بندكت أندرسون إن الأمة هي “جماعة متخيَّلة”؛ ليس لأنها وهم، بل لأن ملايين البشر الذين لم يلتقوا قطّ يؤمنون أنهم ينتمون إلى قصة واحدة. وحين تهتز هذه القصة، ينهض الجميع لحمايتها، لأنهم يدافعون عن معنى وجودهم. تلك هي قصتك، البحرين هي القصة ونحن أبطالها. أنت بطل قصتك كمواطن، لقصة كبيرة اسمها الوطن. البحرين قصتك، ترابها قصتك، نخيلها، شراعها، بحرها، برها، أرضها سماؤها قصتك، هويتها، هي قصتك. وتلك هي قصة الوطنيين الغيارى في الدفاع عن الارض. انظروا إلى ما حدث خلال الحرب العالمية الثانية. حين كانت لندن تُقصف ليلًا ونهارًا، لم تتحول المدينة إلى سوق للخوف، بل إلى مدرسة للصمود. كان الناس ينزلون إلى الأنفاق معًا، ينامون جنبًا إلى جنب، ويتقاسمون الخبز والرجاء. لم يكن البريطاني يقاتل فقط من أجل بيتٍ أو شارع، بل من أجل فكرة اسمها: نحن شعب واحد. وهذه هي البحرين، الدفاع عن الوطن أصبح حالة عامة لثوب وطني قومي يلبسه الجميع. عندما تضرب سترة تتحرك المحرق، وعندما تتعرض الجفير تتألم المنامة. لا مجال لأي نقاش ضيق، لا مجال لتبرير هنا أو هناك، لا مجال لخوف، أو قلق مبعثر بالأنا فقط. …لا مجال للالتباس …وطن يُضرب نفديه بالروح والدم وبالغالي والرخيص. وهذا ما أثبته الشعب البحريني رغم اختلاف مكوناته وطوائفه إلا أنه متوحد لأجل وطنه وخلف قيادته …الألم يجمعنا والفرح يجمعنا فلا مجال للتفكير الضيق كما طرح غوستاف لوبون. ففي علم النفس الجماعي يشرح غوستاف لوبون أن الجماهير حين تشعر بالخطر الوجودي تتجاوز الحسابات الفردية، وتتحول إلى قوة هائلة. إنها الطاقة التي تجعل الناس يقفون في الصفوف الطويلة للتبرع، أو يسهرون لحراسة مدنهم، أو يضحون بما يملكون. لكن هذه الوحدة ليست مجرد عاطفة عابرة. إنها أيضًا قرار أخلاقي. قال الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه: “الأمم التي تمتلك سببًا لتعيش، تستطيع أن تتحمل أي كيف”.
الوطن في الشدائد هو هذا السبب.
في الأنثروبولوجيا يشرح كليفورد غيرتز أن الرموز المشتركة - العلم، اللغة، الذاكرة، الطقوس - ليست زخارف ثقافية، بل أدوات بقاء. إنها ما يجعل الناس يشعرون بأنهم ينتمون إلى عائلة حضارية واحدة.
وحين يدرك الإنسان أنه جزء من قصة أكبر منه، يتحول الخوف إلى شجاعة. نعم تحية لكل عائلة ولكل اسم ولكل شاب ولكل شابة عبروا عن حبهم وولائهم لوطنهم وقيادتهم، لكل إنسان نشر اسمه افتخارا للبحرين لكل عائلة طرزت اسمها بالولاء للقيادة … إنه ليوم عظيم أن نجد كل البحرينيين كما كانوا وسيبقون مصطفين خلف الوطن وخلف قيادتهم. وفي التاريخ شعوب صغيرة وقفت بعزم وولاء وحب لاجل وطنها عندما تعرض وطنها للخطر.
وتاريخ العالم مليء بالشعوب التي نجت لأنها توحدت.
نجت فنلندا عندما واجهت الغزو السوفيتي في حرب الشتاء؛ لم يكن عددها كبيرًا، لكن وحدتها جعلت العالم كله يندهش من صمودها.
ونجت كوريا الجنوبية بعد الحرب الكورية؛ بلد مدمر تحوّل إلى قوة اقتصادية لأن المجتمع قرر أن يعمل كخلية واحدة.
بل حتى في التاريخ القديم، حين كانت إسبرطة تواجه الأخطار، كان الطفل يتعلم منذ صغره أن الفرد لا قيمة له إن لم يكن جزءًا من قوة الجماعة.
الوطن ليس مجرد مكان نعيش فيه. إنه المساحة الوحيدة التي يمكن أن نقول فيها: نحن.
ولهذا فإن أعظم لحظات الشعوب ليست لحظات الرفاه… بل لحظات الامتحان. ويقول الامام علي ع “في تقلب الأحوال علم جواهر الرجال“. في الرخاء تتشابه الأمم، لكن في الأزمات يظهر معدنها الحقيقي.
الوطن حين يُصاب لا يحتاج إلى خطباء كثيرين، بل إلى ضمير يقظ. يحتاج إلى من يقول: لن أكون حجرًا في جدار الانقسام… بل لبنة في جدار النجاة.
إن اللحظة التي يتوحد فيها الناس دفاعًا عن وطنهم هي لحظة ولادة ثانية للأمة.
هناك يتحول المواطن من مستهلكٍ للوطن… إلى حارسٍ له.
هناك يدرك الجميع الحقيقة التي كتبها الفيلسوف أرسطو قبل أكثر من ألفي عام: “المدينة ليست حجارة… بل بشر يعيشون من أجل خيرٍ مشترك”. وحين يفهم الشعب هذه الحقيقة، يصبح الوطن أكثر من جغرافيا. يصبح رسالة. ويصبح الدفاع عنه… شرفًا. لأن الأوطان لا تموت حين تُهاجَم، بل تموت فقط… حين يتفرق أبناؤها. وما أجمله شعب الخليج وشعب البحرين متوحدا خلف قياداته وخلف أوطانه في تلاحم أسطوري عظيم. وكما قال جلالة الملك حفظه الله في كلمته السامية عن ولاء البحرينيين وتلاحمهم خلف وطنهم وقيادتهم “ونغتنم مناسبة حديثنا هذا لنعرب للمواطنين الكرام عن اعتزازنا وتقديرنا لما أبدوه من مشاعر وطنية صادقة في الولاء والانتماء للوطن في هذه الأوقات الدقيقة، فهم على الدوام أهلٌ للثقة وجديرون بها لتجاوز الصعاب ومواجهة الأطماع أيًّا كان مصدرها”. وتلك هي البحرين عظيمة بتلاحمها بوحدة وطنية واحدة في مجتمع قائم على التسامح والتعايش الحضاري والانساني. وقد تطرق جلالته حفظه الله في خطابه السامي قائلًا: “ونحمد الله في هذا المقام على ما تحظى به مملكتنا الغالية من لُحمة وطنية وأخوّة إيمانية تحتضن مختلف الأديان والمعتقدات، في مشهد حضاري متناغم يبعث على الفخر والارتياح. ونؤكد، في هذا السياق، أهمية الخصوصية التي يتميّز بها مجتمعنا المتحضر، وبما يجسّده من قيّم رفيعة توارثتها الأجيال وحافظت عليها قولًا وعملًا”. نعم هذه هي البحرين وهذا هو الخليج واحة حضارية. نعم لكل دول الخليج قيادات وشعوبا، اعطوا أنبل المواقف بحكمة القادة وولاء شعوبها تحت أمن لا يتجزأ من أن أمن البحرين هو من أمن السعودية وأن أمن السعودية هو من أمن الإمارات وأمن الإمارات من أمن الكويت وأمن الكويت من أمن قطر وأمن قطر من أمن عمان وأمن كل دولة من أمن الجميع. هكذا هو الخليج كتلة واحدة وقلب واحد، شعوب تستلهم الهمم وتعطي الولاء للأوطان ولقياداتها لأجل صناعة مجد مازال على ناصية المجد يبني مجدًا.