في الحروب.. القدرة على التكييف تصنع الفرق
| د. إحسان علي بوحليقة
في الحرب والسلم لا قيمة ترتقي على الأمن والأمان والحفاظ على الاستقرار، وعلى الرغم أن الحرب الدائرة هي حربٌ على الضفة المقابلة من الخليج العربي، إلا أن التحوط والحذر ضروريان. ومن الناحية الاقتصادية، تمتلك دول مجلس التعاون القدرة على مواجهة تداعيات خارجية تولدها حرب الولايات المتحدة الأميركية و “إسرائيل” على إيران، وذلك أمر أقرته وكالات التصنيف الائتماني، ومع ذلك فإن قدرة الدول الست تتفاوت، فمعظم دول مجلس التعاون تصنيفها السيادي عالي المستوى (استثماري)، وبالنسبة للسعودية فتجمع الوكالات الثلاث على استقرار التصنيف الائتماني في المدى طويل الثلاث، حيث تمتلك السعودية مرونة أكبر لكون وضعها الجغرافي من جهة، ولسعتها لإنتاج النفط وامتلاك خيارات لتصديره، وإن احتياطاتها المالية قوامها 1.8 ترليون ريال تكفي لتغطية 21 شهراً واردات، مقابل المعيار العالمي 3 - 6 أشهر، أي سبعة أضعاف المعيار. وما يعزز المرونة الاقتصادية للسعودية أنها ليست حبيسة التصدير عبر مضيق هرمز فقط، أقول هذا مع الإقرار أن لا أحد يقول إن إغلاق مضيق هرمز لن يترك أثراً مربكاً على سير التجارة مع وإلى الخليج، ولكن امتلاك السعودية لموانئ على البحر الأحمر وامتلاك خط شرق غرب لنقل النفط الخام (سعته تصل إلى 6 ملايين برميل) تمنحها مرونة أكبر من ناحيتين؛ التصدير منتجاتها من النفط الخام وسواه، وكذلك لاستيراد احتياجاتها سواء الضرورية من مأكل ومشرب وغير ذلك، لاسيما أن ليس معظم واردات السعودية تعبر من خلال مضيق هرمز بل عبر البحر الأحمر. وفيما يخص الغذاء فلدى المملكة العربية السعودية هيئة متخصصة لبناء وتأمين المخزون الاستراتيجي من الأغذية هي هيئة الأمن الغذائي، التي تأسست في العام في بداية العام 2023، وكانت تعرف سابقاً بالمؤسسة العامة لصوامع الغلال ومطاحن الدقيق التي تأسست في العام 1972، ما يبين امتلاك السعودية الخبرة الممتدة لإدارة المخزون الاستراتيجي، أما إعادة الهيكلة بتأسيس هيئة الأمن الغذائي تهدف - ضمن أهداف أخرى - إلى تعزيز الجهوزية لمواجهة المخاطر المتعلقة بالأمن الغذائي وتصميم نظام إنذار مبكر. وإضافة لما تقدم، فقد حققت السعودية اكتفاءً ذاتياً من منتجات التمور والألبان والبيض وأنواع من الفواكه والخضراوات، ونمت مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 118 مليار ريال في العام 2024، وارتفعت الاستثمارات في التصنيع الغذائي إلى 165 مليار ريال، وأبرز منتجاتها منتجات الألبان والأجبان، ومشتقات التمور، والمخابر والحلويات، واللحوم والدواجن، والخضار والفواكه المصنعة بما في ذلك زيت الزيتون، والأغذية الخفيفة والمصنعة. وما يعزز مرونة الاقتصاد السعودي هو تواصل جهد التنويع الاقتصادي الذي قلل من انكشاف الاقتصاد السعودي على النفط، عبر زيادة الأهمية النسبية للقطاعات الاقتصادية غير النفطية لاسيما الصناعة سواء الغذائية أو ما يتصل ببقية مستلزمات النشاط الاستهلاكي والانتاجي للسكان. وبطبيعة الحال، فإذ طال أمد الحرب - لا قدر الله - فسيكون تأثيرها سلبيا على الأطراف كافة، وسيعتمد استمرارها - بطبيعة الحال - على قدرة الدول المتحاربة على التحمل وامتلاكها للمرونة، بالنسبة للسعودية ودول مجلس التعاون فهذه الحرب ليست حربها، وهي تتطلع باهتمام لكي تنتهي الحرب الدائرة على الضفة المقابلة من الخليج العربي، وأن تتوقف الحرب ويتوقف قبل ذلك إرسال المقذوفات والمسيرات من إيران إلى جاراتها.
وقدرة السعودية على التعامل مع الأزمات عبر حوكمة واضحة ونهج تنفيذي منُجِز أثبتتها التجارب، وأول ما يتبادر للذهن جائحة كوفيد، التي استمرت لشهور طويلة تم خلالها ضبط سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية، وتيسير تدفق السلع وتوفير الخدمات دونما انقطاع. وهذا لا يعني أن مثل هذه الحرب التي عمادها تراشق في الجو لن تؤثر على بعض الأنشطة الاقتصادية أكثر من البعض الآخر مثل حركة الطيران الجوي والسفر وما يتبع ذلك من أنشطة مثل الإيواء، وكذلك فمن الطبيعي أن يطرأ تغيرا على نمط الاستهلاك لاسيما لمتوسطي ومحدوي الدخل بتفادي غير الضروري. ولكن ينبغي تذكر أن هناك جهات متخصصة بذلت الجهد الاستباقي لتثبيت الأمن والأمان وضمان وفرة السلع على تنوعها والعمل على استقرار أسعارها.