الانكشاف الكبير
| كمال الذيب
بغض النظر عن الأسباب الحقيقية وراء المواجهة العسكرية الجارية حاليا بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي يختلف حولها الناس كل حسب الموقع والموقف، فإن ما لا يمكن فهمه أو تفهمه هو الهجمات الإيرانية العدائية الآثمة والعبثية على البنية التحتية لدول مجلس التعاون الخليجي، والتي لا ناقة لها في هذه الحرب ولا جمل. فهذا التصرف العدواني غير المبرر يمثل انكشافا غير مسؤول للسياسة الإيرانية تجاه جيرانها الذين عبروا دائما عن أنهم ضد الحروب ومع الحلول السلمية وأنهم ينشدون حسن الجوار وعدم التدخل في شؤونهم الداخلية. كما أعلنوا صراحة أنهم لن يسمحوا باستخدام أراضيهم وأجوائهم لضرب إيران في أية مواجهة. لقد كشفت هذه الهجمات العدائية على دول الجوار، أن إيران تفعل عكس ما تعلن عنه، بما يعزز حقيقة أن هذه السياسة هي في الأساس تقوم على الاستهانة بالآخرين، وأن وراء هذه العواصف مؤشرات هشاشة كبيرة تهدد النظام من الداخل قبل التهديد الخارجي، وأن استمرار مراهنته على تصدير أزماته نحو الإقليم لن ينفعه كثيرا في مواجهة الوقائع المستجدة، كما أن اعتداءاته على دول جارة مسالمة لن يحقق لها أي انتصار في أية مواجهة مع الآخرين. إنها لا تزال عالقة في القرن العشرين ضمن دائرة تصدير الثورة، تتمدد على حساب الآخرين وتجند المليشيات، وتتصرف وكأنما العالم لم يتغير، بسبب عجزها عن الانتقال من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة. كما أن المواجهة العسكرية والسياسية الجارية حاليا والتي فرضت عليها دفعتها إلى ضرب الجيران بشكل عشوائي، وهذا مؤشر عن الفشل السياسي والأخلاقي، فالمنازعات الساخنة الحالية والسابقة معظمها يأتي لإخفاء المشكلات الحقيقية التي يعاني منها النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الحالي. فهنالك عوارض ضعف نمت وازدادت عبر السنوات. ولا شك أن امتلاك القوة العسكرية الكبيرة لوحده لن ينقذ النظام. فمثل هذه القوة لم تنقذ الاتحاد السوفييتي من الانهيار في بداية التسعينيات. اليوم يتزايد عدد الإيرانيين الذين يعون حقيقة هذه الأزمة، ويعلنون فشل منطق (الثورة) الذي ورّط البلد وأضعفه، وورّط النظام في مواجهات لا تنتهي. وبالتالي لا خلاص لإيران إلا باستعادة وضعها كدولة طبيعية (وفقا لتوصيف القانون الدولي)، وهذا يقتضي قلب صفحة (الثورة)، وتصحيح الصورة لتكون إيران جزءا من عالم اليوم، إذا ما نجت من الموجهة الجارية حاليا.
*كاتب وإعلامي بحريني