حين يتشابه القلق وتبقى الطمأنينة

| خالد عبدالله المرباطي

بين أغسطس 1990 وفبراير 1991 عشنا في مدينة الخبر أيامًا لا تُنسى، أيامًا اختلط فيها القلق بالحذر، والخوف بالثبات، والترقب بالإيمان. كانت المنطقة كلها على صفيح ساخن بعد غزو الكويت من قبل العراق، ومع اندلاع حرب تحرير الكويت أصبحنا في مرمى صواريخ “السكود” التي كانت تُطلق باتجاه مدن المنطقة الشرقية، ويتم اعتراضها بصواريخ “الباتريوت”. أتذكر جيدًا كيف تم تنبيهنا حينها إلى احتمال أن تحمل بعض الصواريخ رؤوسًا كيماوية. لم يكن الأمر شائعة عابرة، بل تحوط رسمي جاد. تم توزيع أقنعة واقية من الكيماويات، وطلب منا وضع شريط لاصق على النوافذ، وسدّ أية فتحات يمكن أن تتسلل منها الغازات. تحولت البيوت إلى ما يشبه الملاجئ الصغيرة، في مشهد لم نكن نتخيله من قبل. ولم تتوقف الاحتياطات عند ذلك الحد؛ فقد طُلب منا توفير احتياجات الطوارئ: شموع أو لمبات تعمل بالبطاريات، علب كبريت، شيء من الخشب، مخزون من المياه، وأغذية معلبة وجافة تكفي لأيام، مناديل ورقية، والاحتفاظ بمبلغ نقدي في المنزل. كما جُهز في كل بيت مكان يُعدّ أكثر أمانًا، والتزمنا بعدم الخروج إلا للحاجة الماسة. كان منزلنا في الخبر قريبًا جدًا من نقطة اعتراض صواريخ الباتريوت لصواريخ السكود العراقية. كنا نسمع صفارات الإنذار، فيتسارع النبض، ثم نترقب لحظة الاعتراض في السماء. وعلى الرغم من خطورة المشهد، لم يمنعنا ذلك من الخروج لأداء الصلوات الخمس في المسجد؛ كان الإيمان يومها السكينة الكبرى التي تحيط بنا. بل إننا - وربما بدافع الفضول الممزوج بالاعتياد - كنا أحيانًا نخرج لمشاهدة عملية الاعتراض بين الصاروخين كلما دوّى جرس الإنذار. 

واليوم، ونحن في البحرين عام 2026، تتجدد المشاهد بصورة مختلفة في تفاصيلها، متشابهة في جوهرها. فبسبب الاعتداء الإيراني الآثم، عادت صفارات الإنذار لتوقظ في الذاكرة صور الأمس. المشهد هنا يكاد يكون مماثلًا، باستثناء التحوط للصواريخ الكيماوية الذي لم يعد مطروحًا كما كان آنذاك. الدفاع المدني في البحرين يطلب من المواطنين والمقيمين البقاء في أماكن آمنة عند سماع الإنذار، وعدم التجمهر أو تعريض النفس للخطر. ومع ذلك، وكما حدث في الخبر قبل أكثر من ثلاثة عقود، لا تزال هناك فئة تصعد إلى أسطح المنازل لمشاهدة عمليات الاعتراض في السماء، وكأن الإنسان بطبيعته يميل إلى مواجهة الخطر بنظرة مباشرة، ولو من مسافة. في كلا الموقفين - السعودي عام 1990 والبحريني عام 2026 - لم تُقصّر الحكومات في أداء واجبها. كانت المعلومات الرسمية متوافرة، والتوجيهات واضحة، والتحذير صريحًا من الانسياق خلف مصادر مشبوهة أو أخبار غير موثوقة. كانت الدولة حاضرة بأجهزتها الدفاعية والأمنية والإعلامية، حريصة على حماية الأرواح قبل كل شيء. وفي كلا الزمنين، كانت الثقة كبيرة بالله سبحانه وتعالى، ثم بحكوماتنا وإداراتها الدفاعية، في الذود عن حياض الوطن وصون أمنه. وفي كلا المكانين، كنا يدًا واحدة، صفًا متماسكًا، ودرعًا يحمي وطنه لا يتصدع أمام الخوف ولا يتفكك أمام الشائعات. التاريخ لا يعيد نفسه بحذافيره، لكنه يعيد اختبار معادن الشعوب. وما بين الخبر بالأمس والبحرين اليوم، يتأكد لنا أن قوة الأوطان لا تُقاس فقط بترساناتها الدفاعية، بل بوحدة شعبها، ووعي مجتمعها، وثقتها بربها ثم بقيادتها. نسأل الله تعالى أن يحفظ البحرين وأهلها وسائر دول مجلس التعاون الخليجي، وأن يديم علينا نعمة الأمن والأمان، وأن يحمي جنودنا ورجال الأمن وكل من يسهر على راحتنا. اللهم اكفنا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، واحفظ أوطاننا من كل سوء.

* مدير أول سابق بغرفة تجارة وصناعة البحرين