السياحة إلى بيوت الجدّات

| د.محمد الزكري

في‭ ‬ظلّ‭ ‬التوترات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والأحداث‭ ‬المتصاعدة،‭ ‬تحبس‭ ‬المنطقة‭ ‬أنفاسها،‭ ‬الأخبار‭ ‬تتسارع،‭ ‬والتحليلات‭ ‬تتكاثر،‭ ‬وحركة‭ ‬السفر‭ ‬تتأثر‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬يستمر‭ ‬شيء‭ ‬أعمق،‭ ‬وأهدأ‭ ‬من‭ ‬السياسة‭: ‬الحياة،‭ ‬والذاكرة،‭ ‬والضيافة،‭ ‬قد‭ ‬تتراجع‭ ‬السياحة‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬القلق،‭ ‬لكن‭ ‬البحرين‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬يوما‭ ‬مجرد‭ ‬وجهة‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬حكاية‭ ‬تُروى،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬المتاحف،‭ ‬والأسواق‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬البيوت‭ ‬والساحات،‭ ‬وأصوات‭ ‬الجدّات‭.‬

قد‭ ‬يذكر‭ ‬التاريخ‭ ‬أسماء‭ ‬القادة،‭ ‬لكن‭ ‬العائلات‭ ‬تذكر‭ ‬أسماء‭ ‬الجدّات‭ ‬حين‭ ‬يشتدّ‭ ‬التوتر‭ ‬تعود‭ ‬الأسرة‭ ‬إلى‭ ‬الأصل‭ ‬نعم‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬القلق،‭ ‬تعود‭ ‬العائلة‭ ‬إلى‭ ‬“البيت‭ ‬العود”،‭ ‬تجتمع‭ ‬تحت‭ ‬رداء‭ ‬الجد،‭ ‬وتلتحف‭ ‬بعباءة‭ ‬الجدة‭. ‬تعود‭ ‬الفروع‭ ‬المتشعبة‭ ‬لتلتصق‭ ‬بالجذع‭ ‬بالأصل‭. ‬الجدّات‭ ‬هنّ‭ ‬العمود‭ ‬الصامت‭ ‬للمجتمع‭. ‬عبر‭ ‬التاريخ،‭ ‬لعبن‭ ‬أدوارًا‭ ‬حيوية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحروب‭ ‬والأزمات؛‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬دورهنّ‭ ‬مجرد‭ ‬رعاية‭ ‬منزلية،‭ ‬بل‭ ‬تثبيت‭ ‬المعنى‭ ‬وسط‭ ‬الفوضى‭. ‬كنّ‭ ‬الصخرة‭ ‬التي‭ ‬يستند‭ ‬إليها‭ ‬الجميع‭: ‬راعيات‭ ‬للأطفال‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الخوف،‭ ‬حاميات‭ ‬للغذاء‭ ‬والبقاء،‭ ‬حافظات‭ ‬للذاكرة‭ ‬والقصص،‭ ‬ورموزا‭ ‬لمقاومة‭ ‬هادئة‭ ‬تحفظ‭ ‬الكرامة‭ ‬والنسيج‭ ‬الاجتماعي‭.‬

سياحة‭ ‬من‭ ‬الفرع‭ ‬إلى‭ ‬الأصل‭ ‬حين‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬“السياحة‭ ‬إلى‭ ‬بيوت‭ ‬الجدّات”،‭ ‬فنحن‭ ‬لا‭ ‬نقصد‭ ‬زيارة‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬تجربة‭ ‬حسّية‭ ‬وروحية‭ ‬متكاملة‭. ‬إنها‭ ‬رحلة‭ ‬تحمل‭ ‬معها‭ ‬أصواتًا‭ ‬وروائحَ‭ ‬ومذاقاتٍ‭ ‬ومشاهدَ‭ ‬تشكّل‭ ‬ذاكرة‭ ‬وطن‭.‬‭ ‬

خلفية‭ ‬إيمانية‭ ‬راسخة‭: ‬أول‭ ‬ما‭ ‬يستقبلك‭ ‬صوت‭ ‬المذياع‭ ‬يتلو‭ ‬آيات‭ ‬القرآن‭ ‬بهدوء‭. ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬صوت،‭ ‬بل‭ ‬خلفية‭ ‬إيمانية‭ ‬تبعث‭ ‬الطمأنينة‭ ‬وتغرس‭ ‬رسوخًا‭ ‬في‭ ‬النفس‭. ‬الكلمات‭ ‬تتردد‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬البيت،‭ ‬فيشعر‭ ‬الزائر‭ ‬أن‭ ‬المكان‭ ‬محروس‭ ‬بالدعاء‭.‬

عطر‭ ‬المكان‭ ‬هوية‭ ‬لا‭ ‬تُخطئ‭: ‬روائح‭ ‬البخور‭ ‬التقليدية‭ ‬تملأ‭ ‬الفضاء،‭ ‬والمباخر‭ ‬والمجامر‭ ‬تتوهج‭ ‬في‭ ‬الزوايا‭. ‬يُرشّ‭ ‬المراش‭ ‬على‭ ‬الأيدي،‭ ‬فيمتزج‭ ‬العطر‭ ‬بالترحاب‭. ‬الجلوس‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬فوق‭ ‬السجاد‭ ‬العجمي‭ ‬الأصيل‭ ‬يمنح‭ ‬شعورًا‭ ‬بالثبات‭ ‬والانتماء،‭ ‬وحتى‭ ‬المكانس‭ ‬القشية‭ ‬قرب‭ ‬الجدار‭ ‬تحكي‭ ‬عن‭ ‬زمن‭ ‬بسيط‭ ‬لم‭ ‬تفسده‭ ‬السرعة‭.‬

مذاق‭ ‬الذاكرة‭: ‬رائحة‭ ‬القهوة‭ ‬العربية‭ ‬تعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬القلب،‭ ‬وتُقدَّم‭ ‬مع‭ ‬تمر‭ ‬بحريني‭ ‬شهي‭ ‬في‭ ‬طقس‭ ‬يتكرر‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬سحره‭. ‬الإفطار‭ ‬شكشوكة‭ ‬ساخنة‭ ‬مع‭ ‬جبن،‭ ‬وكوب‭ ‬شاي‭ ‬حليب‭ ‬بالزعفران‭ ‬يملأ‭ ‬الصباح‭ ‬دفئًا‭. ‬الغداء‭ ‬مچبوس‭ ‬دجاج‭ ‬شهي،‭ ‬يتبعه‭ ‬خبز‭ ‬الخباز‭ ‬الطازج‭ ‬يُغمس‭ ‬في‭ ‬روب‭ ‬أو‭ ‬لبن‭ ‬رائب‭. ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬أطعمة،‭ ‬بل‭ ‬طقوس‭ ‬محبة‭ ‬وانتماء‭.‬

نبرة‭ ‬الأمان‭: ‬نبرة‭ ‬الجدة‭ ‬وحدها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تهدئة‭ ‬العاصفة‭ ‬الداخلية‭. ‬في‭ ‬صوتها‭ ‬طمأنينة‭ ‬لا‭ ‬تُشترى،‭ ‬وأمان‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭. ‬كلماتها‭ ‬بسيطة،‭ ‬لكنها‭ ‬عميقة‭. ‬ملابسها‭ ‬المحتشمة‭ ‬بألوانها‭ ‬المميزة‭ ‬تضفي‭ ‬وقارًا‭ ‬على‭ ‬المكان،‭ ‬كأنها‭ ‬امتداد‭ ‬لجدرانه‭. ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حكاياتها‭ ‬عن‭ ‬أزمنة‭ ‬صعبة‭ ‬مضت،‭ ‬تزرع‭ ‬التعاطف‭ ‬في‭ ‬القلوب‭ ‬وتذكّر‭ ‬الأجيال‭ ‬بأن‭ ‬الصمود‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬بالصوت‭ ‬العالي،‭ ‬بل‭ ‬بالممارسة‭ ‬اليومية‭: ‬طبخ،‭ ‬تعليم،‭ ‬دعاء،‭ ‬رعاية‭.‬

سرديّات‭ ‬الجدّة‮…‬‭ ‬حين‭ ‬تصبح‭ ‬الحكاية‭ ‬وطنًا

في‭ ‬بيت‭ ‬الجدّة،‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬الحكايات‭ ‬مجرد‭ ‬تسلية،‭ ‬بل‭ ‬ذاكرة‭ ‬حيّة‭ ‬تُعاد‭ ‬صياغتها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬جلسة‭. ‬حين‭ ‬نجلس‭ ‬حولها،‭ ‬تبدأ‭ ‬بسرد‭ ‬جذور‭ ‬العائلة‭: ‬من‭ ‬أين‭ ‬جاءت،‭ ‬وكيف‭ ‬تشعّبت‭ ‬فروعها،‭ ‬ومن‭ ‬حمل‭ ‬الاسم‭ ‬وحافظ‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬والقيم‭. ‬تحكي‭ ‬عن‭ ‬تحديات‭ ‬مرّت‭ ‬بها‭ ‬الأسرة‭ ‬في‭ ‬أزمنة‭ ‬الحروب‭ ‬والضيق،‭ ‬عن‭ ‬نقصٍ‭ ‬في‭ ‬الموارد،‭ ‬وعن‭ ‬خوفٍ‭ ‬كان‭ ‬يطرق‭ ‬الأبواب،‭ ‬لكنّه‭ ‬لم‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬كسر‭ ‬القلوب‭. ‬تروي‭ ‬كيف‭ ‬اختلف‭ ‬الإخوة‭ ‬ثم‭ ‬تصالحوا،‭ ‬وكيف‭ ‬كادت‭ ‬أسباب‭ ‬التنافر‭ ‬أن‭ ‬تفرّقهم،‭ ‬لولا‭ ‬حكمة‭ ‬الكبار‭ ‬وصبر‭ ‬الجدّات‭ ‬اللواتي‭ ‬آمنّ‭ ‬بأن‭ ‬العائلة‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬الخلاف‭. ‬في‭ ‬سردها،‭ ‬لا‭ ‬تُخفى‭ ‬الجراح،‭ ‬لكنها‭ ‬تُقدَّم‭ ‬دائمًا‭ ‬مقرونةً‭ ‬بالعبرة‭. ‬تعلّمنا‭ ‬أن‭ ‬التماسك‭ ‬قرار،‭ ‬وأن‭ ‬الاحترام‭ ‬جسرٌ‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬اختلاف،‭ ‬وأن‭ ‬الأزمات،‭ ‬مهما‭ ‬اشتدّت،‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزها‭ ‬إذا‭ ‬بقيت‭ ‬المحبة‭ ‬أساسًا‭. ‬وهكذا،‭ ‬يصبح‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬قصصها‭ ‬درسًا‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الأسري،‭ ‬وتمرينًا‭ ‬على‭ ‬الصمود،‭ ‬وتذكيرًا‭ ‬بأن‭ ‬الجذور‭ ‬العميقة‭ ‬وحدها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬حمل‭ ‬الفروع‭ ‬حين‭ ‬تعصف‭ ‬بها‭ ‬الرياح‭.(‬

أنشودة‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬السلام‭: ‬في‭ ‬أزمنة‭ ‬الأزمات،‭ ‬تتحول‭ ‬الجدّات‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬صوت‭ ‬للعدالة‭ ‬والكرامة‭. ‬فالحرب‭ ‬تترك‭ ‬آثارًا‭ ‬في‭ ‬القلوب‭ ‬قبل‭ ‬الحدود،‭ ‬والذاكرة‭ ‬الحية‭ ‬تصبح‭ ‬جسرًا‭ ‬بين‭ ‬الماضي‭ ‬والمستقبل‭. ‬وفي‭ ‬البيوت‭ ‬البحرينية‭ ‬أيضًا،‭ ‬تحكي‭ ‬الجدّات‭ ‬لا‭ ‬لتخيف،‭ ‬بل‭ ‬لتعلّم‭. ‬رسالتهنّ‭ ‬واحدة‭: ‬السلام‭ ‬هو‭ ‬الخيار‭ ‬الأجمل‭.‬

دعوة‭ ‬هادئة

نعم،‭ ‬تمرّ‭ ‬المنطقة‭ ‬بتوترات‭. ‬ونعم،‭ ‬تتأثر‭ ‬حركة‭ ‬السياحة‭ ‬أحيانًا‭. ‬لكن‭ ‬البحرين‭ ‬تظلّ‭ ‬وطن‭ ‬الضيافة‭ ‬الدافئة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزعزعها‭ ‬العواصف‭ ‬بسهولة‭. ‬في‭ ‬زمن‭ ‬القلق،‭ ‬نكتشف‭ ‬أن‭ ‬أجمل‭ ‬الرحلات‭ ‬ليست‭ ‬إلى‭ ‬الخارج،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬الداخل‭: ‬من‭ ‬الفرع‭ ‬إلى‭ ‬الأصل،‭ ‬من‭ ‬الضجيج‭ ‬إلى‭ ‬السكينة،‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬الجدة‭. ‬تلك‭ ‬هي‭ ‬سياحة‭ ‬البحرين‭ ‬الحقيقية‭: ‬دفءٌ‭ ‬يُعاش‮…‬‭ ‬لا‭ ‬يُشاهد‭ ‬فقط‭.‬

‭* ‬اختصاصي‭ ‬سياحة‭ ‬وتراث