كلمة رئيس التحرير

“الغرفة” بين الواقعية والطموحات

| زهير توفيقي

تستعد غرفة تجارة وصناعة البحرين لدخول إحدى أهم مراحلها في السنوات المقبلة، تزامنا مع تغييرات اقتصادية كبيرة تشهدها المملكة والعالم عموما؛ فالبحرين مقبلة على إعداد رؤيتها الجديدة 2050، التي سترسم ملامح المسار الوطني على مختلف الأصعدة، خصوصا الاقتصادية منها، حيث سيكون للقطاع الخاص دور كبير في بلورة هذه الرؤية والمساهمة في إنجاحها على أرض الواقع. وفي اللقاء الصحافي الذي نظمته كتلة “استدامة” في مجلس كانو العريق في المنامة، والذي كُشف فيه لأول مرة عن خطة عمل الكتلة وبرنامجها الانتخابي لخوض انتخابات الغرفة المزمع عقدها في 28 مارس المقبل، بدا واضحا أن الجميع على وعي تام بأهمية وحساسية المرحلة؛ مرحلة تتطلب من الغرفة رفع مستوى أدائها، ومواكبة تطلعات الشارع التجاري، ومواءمة مخرجاتها مع جهود الحكومة في التنويع الاقتصادي وتعزيز الاستقرار المالي. وقد نجح رئيس كتلة “استدامة” في أن يخطف الأنظار فور إعلانه تشكيل الكتلة؛ حيث ضمت القائمة أسماء بارزة من مجلس الإدارة السابق، في خطوة فاجأت الشارع التجاري؛ إذ اندمج أشخاص كان يُفترض أن يكونوا خصوما انتخابيين في تجمع واحد، ليصبحوا شركاء اليوم. هذه الكتلة، التي ضمت 18 اسما بارزا مزجت بين حيوية الشباب وحكمة أصحاب الخبرة والتجربة، تحمل في طياتها مضامين كثيرة، أهمها أن الروح المطلوبة اليوم هي روح التعاون والتكاتف، والبناء على المنجزات التي حققها المجلس السابق دون انتقاص، وهي الروح الإيجابية ذاتها التي سادت أجواء اللقاء. ويبدو أن الجميع مدرك لمتطلبات المرحلة، حيث يكاد أن يكون هناك اتفاق على أن من أكبر التحديات التي تواجه “بيت التجار” هو عزوف المؤسسات عن المشاركة، خصوصا متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة. واستجابة لذلك، أعلنت الكتلة ضمن برنامجها تأسيس قسم خاص يُعنى بهذه الشريحة المهمة لدعمها وتمكينها. كما أقرت الكتلة بوجود تباين في الآراء بشأن موضوع نظام الأصوات (أو آلية التصويت)، ورحب أعضاؤها ببحث هذا الملف بكل رحابة صدر، تاركين الكلمة الفصل للغرفة من خلال أعلى سلطة فيها، وهي الجمعية العمومية، لتحديد ما هو الأنسب للمرحلة المقبلة. ومع تحديد الكتلة لجملة من التحديات المحورية، التي شملت ارتفاع الرسوم التجارية والتكاليف التشغيلية، وموضوع التصنيف الائتماني السيادي، تكون بذلك قد وضعت يدها على الجروح الحقيقية. ولكن، يبقى التحدي الأكبر أمام المجلس المقبل متمثلا في القدرة على احتواء مشكلات الشارع التجاري بشكل أعمق، والاهتمام الفعلي بهموم التجار، ولاسيما المؤسسات الصغيرة، لتعزيز جسور التواصل وإعادة بناء الثقة مع بيتهم الجامع. إن الغرفة تقف اليوم أمام مرحلة تتطلب تحويل شعار “استدامة” إلى إطار استراتيجي يعكس تحوّلا في دورها من التمثيل التقليدي إلى التأثير في مسار تطور القطاع الخاص؛ فمفهوم الاستدامة في هذا السياق ينبغي أن يرتبط بتعزيز التنافسية طويلة الأجل، ورفع إنتاجية الأنشطة الاقتصادية، وتحسين قدرة القطاع الخاص على التكيف مع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي. كما يتطلب ذلك ترسيخ دور الغرفة كمؤسسة داعمة لصناعة السياسات الاقتصادية، وتطوير أدوات معرفية وتحليلية تسهم في استشراف المخاطر والفرص، بما يعزز استقرار بيئة الأعمال ويضمن استمرارية النمو الاقتصادي على أسس أكثر تنوعا ومرونة.