عن مكارم الاخلاق : بر الوالدين- 7

| د. بثينة خليفة قاسم

ملامح والديك وتجاعيدها ليست مجرد علامات لمرور الزمن، بل هي سجلات توثيقية للطرق الشاقة التي سلكاها لضمان خروجك إلى هذه الحياة، وتأريخ لسنوات من السعي المضني ليوفروا لك الراحة والسكن. 

إن الالتزام ببر الوالدين يتجاوز كونه مجرد واجب أخلاقي أو وصية دينية، بل هو ما تبقى من جوهر الإنسانية داخل الفرد، والفرصة الوحيدة لتقديم رد اعتبار جزئي لدَين لا يُقاس وتضحية تتجاوز حدود الذاكرة.

فالأم ، هي انهمار للرحمة يتخلل جفاف روحك ليضمن إزهارها؛ هي تلك القامة التي اقتطعت من كيانها  لتبني جسدك، ومن نبضها ليخفق قلبك، ومنحت من قوتها ليشتد عودك. 

انظر في عينيها المجهدتين وفي ظهرها الذي انحنى لتقويم استقامة ظهرك ، هي لم ترضعك وتربيك فحسب، بل هي نار  احترقت لتضمن ابتسامك وفرحك. 

إن تضرعها يمثل حبلاً سرياً لا ينقطع بالولادة، بل يمتد نحو السماء لرفع القيود والشدائد عن كاهلك؛ هي الملاذ الأبدي، والقلب الغفور حتى قبل صياغة اعتذار صريح، والولاء العاطفي الراسخ في وجه الهزائم الشخصية حين يغيب الدعم الخارجي.

وفي المقابل، يبرز الأب كالجبل الذي يُستند إليه في ذروة الاضطرابات؛ هو ذاك الذي كتم ألمه إعلاءً لتقدير ذاتك ، وقلل من شأن نفسه ليمنحك شعوراً بالقدرة والتمكن. 

إن  البر بالوالدين، ، يتخطى كونه إيماءة طيبة اختيارية؛ إنه المسار الحيوي الذي تتحقق من خلاله صيانة الذات في مواجهة واقع الجحود الموحش. 

ومن الحصافة أن تسارع إليهما، مدركاً حجم تعبهما، ومستشعراً قيمة الفضيلة في وجودهما، وموقناً أن كل لحظة تقضى في حضرتهما هي في الواقع توازن واستقامة لمسيرة حياتك .

تأمل لحظة رحيل أحدهما، حين يغلف البيت برد الفقد، ويحين أوان الإدراك بأنه لن ترتفع يد بعد الآن نحو السماء دعاءاً لك . 

في هذا الفاصل الزمني، ستدرك أن كل المساعي الناجحة كانت ممكنة بفضل دعواتهما، وأن الكثير من المآسي دُفعت بفضل رضاهما.  وقد تتمنى حينها استعادة الماضي لتقديم آيات التبجيل، وتقبيل  أقدامهما امتناناً، أو طلب العفو عن غلظة أو استياء سابق. غير أن الندم في ذلك الوقت المتأخر يكون مرّ المذاق، ويمتلئ الصمت بفراغ ذلك الحنان الذي كان يوماً يملأ الأرجاء.

لذا، يجب أن يُترجم الإخلاص للوالدين عبر الأفعال لا الأقوال؛ كن لهما بصراًحين يضعف النظر، وسنداً حين تخذلهما القدرة الجسدية. 

لا تترك والديك للوحدة، فالعزلة تعجل بالذبول في الكبر أسرع مما يفعل المرض. كن مصدراً للبهجة في أيامهما العادية، وملاذاً للسكينة في أواخر العمر. وتذكر كما تزرع في قلب والديك، ستزرع غدا  في قلوب أبنائك ،فالحياة سلف ودين، والبر هو التجارة التي لا تبور أبداً .