اقتصاد الوهم

| د.حورية الديري

‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عصر‭ ‬حكاية‭ ‬تكشف‭ ‬هشاشة‭ ‬الإنسان‭ ‬حين‭ ‬ينسى‭ ‬مساءلة‭ ‬ما‭ ‬يُعرض‭ ‬عليه،‭ ‬وحين‭ ‬تُحاك‭ ‬القصة‭ ‬بإتقان،‭ ‬يصبح‭ ‬الرمز‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬الواقع،‭ ‬ويغدو‭ ‬الطلب‭ ‬انعكاسًا‭ ‬لعدوى‭ ‬اجتماعية‭ ‬لا‭ ‬لحاجة‭ ‬عقلانية‭. ‬وقصة‭ ‬“القرد‭ ‬بانش”‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬استعارة‭ ‬مكثفة‭ ‬لذلك‭ ‬المشهد‭ ‬المتكرر‭: ‬كائن‭ ‬عادي،‭ ‬لا‭ ‬يحمل‭ ‬قيمة‭ ‬استثنائية‭ ‬في‭ ‬ذاته،‭ ‬يُعاد‭ ‬تقديمه‭ ‬عبر‭ ‬سردية‭ ‬ذكية،‭ ‬فيتحول‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬منتج،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬كاملة‭ ‬تتغذى‭ ‬على‭ ‬الرغبة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تتكئ‭ ‬على‭ ‬الحاجة‭.‬

وقد‭ ‬ناقشت‭ ‬الفلسفة‭ ‬القديمة‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬“القيمة‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الشيء”‭ ‬و”القيمة‭ ‬المنسوبة‭ ‬إليه”،‭ ‬فمنذ‭ ‬أرسطو‭ ‬كان‭ ‬السؤال‭ ‬مطروحًا‭: ‬هل‭ ‬قيمة‭ ‬الشيء‭ ‬نابعة‭ ‬من‭ ‬جوهره‭ ‬أم‭ ‬من‭ ‬وظيفته؟‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬الحديث‭ ‬أضاف‭ ‬بُعدًا‭ ‬ثالثا‭: ‬القيمة‭ ‬بوصفها‭ ‬قصة‭. ‬في‭ ‬قصة‭ ‬“بانش”،‭ ‬تم‭ ‬توظيف‭ ‬عنصر‭ ‬الطرافة‭ ‬والندرة‭ ‬والسبق،‭ ‬فصُنعت‭ ‬هالة‭ ‬نفسية‭ ‬حول‭ ‬كائن‭ ‬عادي،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬نشتري‭ ‬الشيء،‭ ‬إنما‭ ‬نشتري‭ ‬صورته‭ ‬المتخيلة،‭ ‬وهنا‭ ‬فإن‭ ‬المستهلك‭ ‬يدفع‭ ‬ثمن‭ ‬انتمائه‭ ‬إلى‭ ‬موجة،‭ ‬وإحساسه‭ ‬بالمشاركة‭ ‬في‭ ‬حدث،‭ ‬وخوفه‭ ‬الخفي‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يفوته‭ ‬القطار‭. ‬والأخطر‭ ‬أن‭ ‬الظاهرة‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الخداع‭ ‬الصريح،‭ ‬ولكن‭ ‬على‭ ‬هندسة‭ ‬الإدراك،‭ ‬إذ‭ ‬يُضخ‭ ‬المحتوى‭ ‬بعناية،‭ ‬وتُستثار‭ ‬العواطف،‭ ‬ثم‭ ‬يُعاد‭ ‬التكرار‭ ‬حتى‭ ‬تتآكل‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬النقد‭ ‬والتسليم‭. ‬ومع‭ ‬كل‭ ‬مشاركة‭ ‬وإعادة‭ ‬نشر،‭ ‬يتحول‭ ‬الجمهور‭ ‬من‭ ‬متلقٍ‭ ‬إلى‭ ‬شريك‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الوهم‭.‬

ومن‭ ‬منظور‭ ‬تحليلي،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬مع‭ ‬“القرد‭ ‬بانش”‭ ‬نموذج‭ ‬مكثف‭ ‬لاقتصاد‭ ‬الانتباه،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬تتزاحم‭ ‬فيه‭ ‬الصور،‭ ‬فيصبح‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يلفت‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يُروى‭ ‬بذكاء،‭ ‬لا‭ ‬ما‭ ‬يحمل‭ ‬قيمة‭ ‬حقيقية‭. ‬وهكذا‭ ‬تنتصر‭ ‬الحكاية‭ ‬على‭ ‬الحقيقة،‭ ‬والرمز‭ ‬على‭ ‬الجوهر،‭ ‬والضجيج‭ ‬على‭ ‬المعنى.

غير‭ ‬أن‭ ‬المسؤولية‭ ‬لا‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬صانع‭ ‬المحتوى‭ ‬وحده‭. ‬فكل‭ ‬استهلاك‭ ‬غير‭ ‬ناقد‭ ‬يمنح‭ ‬شرعية‭ ‬جديدة‭ ‬للظاهرة،‭ ‬وكل‭ ‬انبهار‭ ‬غير‭ ‬ممحّص‭ ‬يضيف‭ ‬لبنة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الوهم‭. ‬والمثقف‭ ‬هنا‭ ‬الذي‭ ‬يرفض‭ ‬السوق،‭ ‬ويسأل‭: ‬ماذا‭ ‬أشتري‭ ‬فعلًا؟‭ ‬الشيء‭ ‬أم‭ ‬الإحساس‭ ‬المرتبط‭ ‬به؟

الرسالة‭ ‬التي‭ ‬تكشفها‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬بسيطة‭ ‬وعميقة‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭: ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المحتوى‭ ‬جذابًا‭ ‬حتى‭ ‬يكون‭ ‬جديرًا‭ ‬بالتصديق،‭ ‬ولا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬شائعًا‭ ‬حتى‭ ‬يكون‭ ‬ذا‭ ‬قيمة‭. ‬ففي‭ ‬نهاية‭ ‬الأمر،‭ ‬نرى‭ ‬فيها‭ ‬قابلية‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬يُساق‭ ‬خلف‭ ‬السردية‭ ‬اللامعة،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يحصن‭ ‬عقله‭ ‬ويوازن‭ ‬قلبه‭ ‬بميزان‭ ‬العقل‭ ‬لنحول‭ ‬السوق‭ ‬نفسه‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬اختبار‭ ‬لوعينا،‭ ‬لا‭ ‬لاستغلاله‭.‬

 

كاتبة‭ ‬وأكاديمية‭ ‬بحرينية