زمن المهازل!!

| كمال الذيب

قال‭ ‬الصديق‭: ‬ألا‭ ‬تلاحظ‭ ‬هذا‭ ‬الانتشار‭ ‬الغريب‭ ‬لظاهرة‭ ‬الادعاء‭ ‬في‭ ‬مجتمعنا‭. ‬إذ‭ ‬كثر‭ ‬الأدعياء‭ ‬وتضخمت‭ ‬الألقاب،‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬الواحد‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬ينطبق‭ ‬عليه‭ ‬قول‭ ‬الشاعر‭ ‬السوداني‭ ‬محمد‭ ‬أحمد‭ ‬محجوب‭: ‬“هذا‭ ‬زمانُك‭ ‬يا‭ ‬مهازلُ‭ ‬فامرحي‭... ‬قد‭ ‬عُدّ‭ ‬كلبُ‭ ‬الصّيدِ‭ ‬في‭ ‬الفرسان”‭.‬

قلت‭ ‬للصديق‭: ‬قد‭ ‬نكون‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬شعوب‭ ‬العالم‭ ‬ادعاء،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬فقرنا‭ ‬الشديد‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬المجالات،‭ ‬ومن‭ ‬مظاهر‭ ‬هذا‭ ‬الادعاء‭ ‬توزيع‭ ‬الألقاب‭ ‬العلمية‭ ‬والفكرية‭ ‬والفنية‭ ‬بالمجان،‭ ‬وبلا‭ ‬حدود‭ ‬وضوابط‭: ‬فهذا‭ ‬ملك‭ ‬الأغنية،‭ ‬وتلك‭ ‬امبراطورة‭ ‬المسـرح،‭ ‬وهذا‭ ‬جنرال‭ ‬الرواية،‭ ‬وهذا‭ ‬معجزة‭ ‬العصر‭ ‬في‭ ‬الرقص،‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬الادعاءات‭ ‬الجوفاء‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتطابق‭ ‬مع‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬شيء‭. ‬ولو‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬توقف‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬الدعاية‭ ‬الفجة‭ ‬لهان،‭ ‬ولكن‭ ‬المشكلة‭ ‬أنه‭ ‬تجاوز‭ ‬إلى‭ ‬وصف‭ ‬بعض‭ ‬الكتاب‭ ‬المبتدئين‭ ‬بالأدباء‭ ‬والمفكرين،‭ ‬فيطلق‭ ‬عليهم‭ ‬ألقابًا‭ ‬تفخيمية‭ ‬من‭ ‬نوع‭: ‬الشاعر‭ ‬الكبير،‭ ‬والروائي‭ ‬الفذ،‭ ‬والناقد‭ ‬الجهبذ،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ننسـى‭ ‬إغداق‭ ‬لقب‭ (‬فيلسوف‭) ‬و‭(‬مؤرخ‭) ‬على‭ ‬المشتغلين‭ ‬ببعض‭ ‬حقول‭ ‬المعرفة،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬المعلوم‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬المشتغل‭ ‬بالفلسفة‭ ‬والأكاديمي‭ ‬المتخصص‭ ‬فيها‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يوصف‭ ‬بكونه‭ ‬فيلسوفًا‭ ‬لمجرد‭ ‬أنه‭ ‬أصدر‭ ‬كتابا‭ ‬مدرسا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحقل‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭.. ‬وكذا‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬سائر‭ ‬فروع‭ ‬المعرفة‭.‬

إن‭ ‬الفرنسيين،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬تعدد‭ ‬أسماء‭ ‬مفكريهم‭ ‬والباحثين‭ ‬في‭ ‬الفلسفة،‭ ‬يُعتبر‭ ‬آخر‭ ‬فلاسفتهم‭ ‬المعتبرين‭: ‬رينه‭ ‬ديكارت‭ ‬وهنري‭ ‬برغسون‭. ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬الألمان‭ ‬أكثر‭ ‬الشعوب‭ ‬إنتاجاً‭ ‬للفلاسفة،‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬كانط‭ ‬وهيجل‭ ‬ونيتشه‭ ‬وإنجلز‭ ‬وماركس‭ ‬وشبنهاور‭ ‬وهايدجر‭ ‬وغيرهم‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬لديهم‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الادعاء‭ ‬بين‭ ‬كتابهم‭ ‬وباحثيهم‭ ‬اليوم‭.. ‬فالاشتغال‭ ‬بالفلسفة‭ ‬لا‭ ‬يصنع‭ ‬فيلسوفا،‭ ‬والاشتغال‭ ‬بالأدب‭ ‬لا‭ ‬يصنع‭ ‬بالضرورة‭ ‬أديبا.

لدينا‭ ‬بالفعل‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المشتغلين‭ ‬بالأدب‭ ‬والفكر‭ ‬والنقد‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬أسهموا‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬الحديث‭ ‬والمعاصر،‭ ‬وأثروا‭ ‬الحركة‭ ‬الأدبية‭ ‬والثقافية،‭ ‬وهؤلاء‭ ‬يستحقون‭ ‬كل‭ ‬الاحترام‭ ‬والتبجيل‭ ‬بما‭ ‬قدموا‭ ‬وبما‭ ‬أبدعوا،‭ ‬أما‭ ‬إطلاق‭ ‬ألقاب‭ ‬التعظيم‭ ‬والتبجيل‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬هبّ‭ ‬ودبّ،‭ ‬فهو‭ ‬عرض‭ ‬لمرض‭ ‬مستشـر‭. ‬وهذا‭ ‬التضخيم‭ ‬للألقاب‭ ‬المزيفة،‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬تغذية‭ ‬الغرور‭ ‬لدى‭ ‬“المُلقبين”،‭ ‬وقد‭ ‬يهمش‭ ‬الكفاءات‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬ترفض‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬الألقاب‭ ‬الجوفاء‭.‬

هذه‭ ‬الفوضى‭ ‬تؤشر‭ ‬إلى‭ ‬اتساع‭ ‬رقعة‭ ‬التفاهة‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬خصائصها‭ ‬إهدار‭ ‬اللغة،‭ ‬وسيطرة‭ ‬الأدعياء‭ ‬والسطحيين‭ ‬والتافهين،‭ ‬والاستهانة‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬له‭ ‬قيمة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭.‬

 

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني