الأسواق في مفترق الطريق... رؤية خبير للمستثمر الذكي

| علي البستكي

تمرّ‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬بمرحلة‭ ‬مفصلية،‭ ‬تتسم‭ ‬بارتفاع‭ ‬مستويات‭ ‬عدم‭ ‬اليقين،‭ ‬نتيجة‭ ‬ضبابية‭ ‬مسار‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية،‭ ‬وتصاعد‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬نتائج‭ ‬عمالقة‭ ‬شركات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬لعام‭ ‬2025،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬القرار‭ ‬الاستثماري‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية،‭ ‬وأقل‭ ‬تقبّلًا‭ ‬للأخطاء‭ ‬‭. ‬ورغم‭ ‬هذه‭ ‬التحديات،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬المؤشرات‭ ‬الأمريكية‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬نظرة‭ ‬إيجابية‭ ‬نسبية،‭ ‬مدعومة‭ ‬بمرونة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وقوة‭ ‬الشركات‭ ‬القيادية،‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬التكيّف‭ ‬مع‭ ‬بيئة‭ ‬نقدية‭ ‬وجيوسياسية‭ ‬معقّدة‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التفاؤل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يُقرأ‭ ‬بعقلية‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر،‭ ‬لا‭ ‬بعقلية‭ ‬الاندفاع‭ .‬

تشير‭ ‬الرؤية‭ ‬الحالية‭ ‬إلى‭ ‬مسارين‭ ‬محتملين‭ ‬لا‭ ‬ثالث‭ ‬لهما‭ :‬

إما‭ ‬هدوء‭ ‬تدريجي‭ ‬بعد‭ ‬مرحلة‭ ‬التوتر،‭ ‬يسمح‭ ‬بتشكّل‭ ‬مسارات‭ ‬صعود‭ ‬واضحة‭ ‬ومستدامة،

أو‭ ‬استمرار‭ ‬حالة‭ ‬الضبابية،‭ ‬مع‭ ‬تذبذبات‭ ‬حادة‭ ‬وغياب‭ ‬رؤية‭ ‬اتجاهية‭ ‬طويلة‭ ‬المدى‭ . ‬وفي‭ ‬كلا‭ ‬السيناريوهين،‭ ‬لا‭ ‬يُعد‭ ‬هذا‭ ‬التوقيت‭ ‬مناسبًا‭ ‬للمضاربات‭ ‬العشوائية،‭ ‬بل‭ ‬يمثل‭ ‬مرحلة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬الأدوات،‭ ‬وتطوير‭ ‬المهارات،‭ ‬وصياغة‭ ‬استراتيجيات‭ ‬مرنة،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التحوّلات‭ ‬المفاجئة‭ . ‬أما‭ ‬المستثمر‭ ‬المبتدئ،‭ ‬فإن‭ ‬أكبر‭ ‬خطأ‭ ‬قد‭ ‬يقع‭ ‬فيه‭ ‬هو‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأسواق‭ ‬بعقلية‭ ‬الأمس‭. ‬المرحلة‭ ‬الحالية‭ ‬تتطلب‭ ‬منه‭ ‬تطوير‭ ‬معرفته،‭ ‬واستحداث‭ ‬أدوات‭ ‬حديثة‭ ‬لإدارة‭ ‬المخاطر،‭ ‬تكون‭ ‬جزءًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬من‭ ‬قراره‭ ‬الاستثماري،‭ ‬لا‭ ‬إجراءً‭ ‬لاحقًا‭ ‬بعد‭ ‬الخسارة‭ .‬

ما‭ ‬الذي‭ ‬يراقبه‭ ‬المستثمر‭ ‬المحترف‭ ‬الآن؟

يركّز‭ ‬المستثمر‭ ‬المحترف‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬البيانات‭ ‬لا‭ ‬كثرتها،‭ ‬ويتابع‭ ‬إشارات‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬بدل‭ ‬التصريحات،‭ ‬ويقيّم‭ ‬سلوك‭ ‬السيولة‭ ‬قبل‭ ‬حركة‭ ‬الأسعار‭. ‬كما‭ ‬يراقب‭ ‬نتائج‭ ‬الشركات‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬الهوامش‭ ‬والتدفقات‭ ‬النقدية‭ ‬لا‭ ‬الأرقام‭ ‬المعلنة‭ ‬فقط،‭ ‬ويتابع‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تأثيرها‭ ‬على‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬والطاقة،‭ ‬لا‭ ‬كعناوين‭ ‬إخبارية‭ ‬عابرة‭. ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬أنه‭ ‬يضبط‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬بدقة،‭ ‬ويحدد‭ ‬نقاط‭ ‬الخروج‭ ‬قبل‭ ‬الدخول،‭ ‬منتظرًا‭ ‬تأكيد‭ ‬الاتجاه‭ ‬لا‭ ‬التنبؤ‭ ‬به‭ .‬

الخلاصة‭ :‬

نحن‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬قراءة‭ ‬وتقييم‭ ‬وبناء‭ ‬سيناريوهات،‭  ‬وغدًا‭ ‬تبدأ‭ ‬مرحلة‭ ‬الحدث‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار،

ثم‭ ‬يأتي‭ ‬الحصاد‭ ‬لمن‭ ‬أحسن‭ ‬الاستعداد‭  .‬

في‭ ‬الأسواق،‭ ‬لا‭ ‬يكافئ‭ ‬النجاح‭ ‬السرعة،‭ ‬بل‭ ‬يكافئ‭ ‬الانضباط‭ ‬وحسن‭ ‬التوقيت‭. ‬وفترات‭ ‬الغموض‭ ‬ليست‭ ‬فراغًا،‭ ‬بل‭ ‬فرصة‭ ‬لإعادة‭ ‬هندسة‭ ‬الفكر‭ ‬الاستثماري‭. ‬ومن‭ ‬يُحسن‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬عدم‭ ‬اليقين،‭ ‬سيكون‭ ‬الأكثر‭ ‬جاهزية‭ ‬للاستفادة‭ ‬حين‭ ‬تتضح‭ ‬الرؤية‭ .‬

 

‭* ‬خبير‭ ‬مصرفي‭ ‬بحريني‭ ‬ومستشار‭ ‬اقتصادي