مستقبل التعليم

| د. عبدالله الحواج

لم‭ ‬ألتفت‭ ‬كثيرًا‭ ‬للذين‭ ‬يروجون‭ ‬لفكرة‭ ‬“نهاية‭ ‬التعليم”،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬من‭ ‬تطور‭ ‬تكنولوجي‭ ‬حاسم‭ ‬خلال‭ ‬الألفية‭ ‬الحالية‭ ‬يراه‭ ‬البعض‭ ‬يكفي،‭ ‬وهؤلاء‭ ‬“البعض”‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬يروجون‭ ‬لأفكار‭ ‬افتراضية‭ ‬أخطرها‭ ‬وأكثرها‭ ‬ضراوة‭ ‬هي‭ ‬فكرة‭ ‬إلغاء‭ ‬الجامعات،‭ ‬وكأنهم‭ ‬يريدون‭ ‬أن‭ ‬يبعثوا‭ ‬برسالة‭ ‬تنبؤية‭ ‬عن‭ ‬“نهاية‭ ‬الكون”‭.‬

قبل‭ ‬أسابيع‭ ‬ذهبت‭ ‬إحدى‭ ‬الرحلات‭ ‬“الإلكترونية”‭ ‬إلى‭ ‬القمر،‭ ‬وقامت‭ ‬بتصوير‭ ‬كواكب‭ ‬المجموعة‭ ‬الشمسية‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬الأرض،‭ ‬ولحسن‭ ‬الطالع‭ ‬أنني‭ ‬تابعت‭ ‬على‭ ‬المواقع‭ ‬الإلكترونية‭ ‬المتحركة‭ ‬صور‭ ‬الفيديو‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬تسجيلها‭ ‬لكوكب‭ ‬الأرض‭ ‬وهو‭ ‬يقترب‭ ‬بتماس‭ ‬عبقري‭ ‬مع‭ ‬سطح‭ ‬القمر،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مثلما‭ ‬يبدو‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬ليست‭ ‬مصنوعة‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أن‭ ‬القمر‭ ‬كان‭ ‬أقل‭ ‬جمالاً،‭ ‬بضعة‭ ‬صخور‭ ‬يمشي‭ ‬فوقها‭ ‬“الروبوت”‭ ‬ويقوم‭ ‬بتصوير‭ ‬كل‭ ‬شيء‭.‬

وأنا‭ ‬أشاهد‭ ‬القمر،‭ ‬وجدت‭ ‬كوكبًا‭ ‬أزرقًا‭ ‬في‭ ‬منتهى‭ ‬الخفة‭ ‬والجمال‭ ‬وروعة‭ ‬الخالق‭ ‬وهو‭ ‬يمر‭ ‬بجوار‭ ‬القمر‭ ‬ضمن‭ ‬كواكب‭ ‬المجموعة‭ ‬الشمسية‭ ‬الأخرى،‭ ‬الفرق‭ ‬كان‭ ‬شاسعًا‭ ‬بين‭ ‬هذا‭ ‬الكوكب‭ ‬الكروي‭ ‬الجميل،‭ ‬وبين‭ ‬مختلف‭ ‬الكائنات‭ ‬والأجرام‭ ‬السماوية‭ ‬الأخرى،‭ ‬شاهدت‭ ‬سيدة‭ ‬الكواكب‭ ‬“الأرض”،‭ ‬وقد‭ ‬أحسن‭ ‬الله‭ ‬خلقه‭ ‬فيها،‭ ‬وهي‭ ‬تختال‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬دائرية‭ ‬حانية‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الكواكب،‭ ‬وتقترب‭ ‬بتمايل‭ ‬رشيق‭ ‬من‭ ‬القمر‭ ‬وكأنها‭ ‬هي‭ ‬القمر،‭ ‬والقمر‭ ‬يبدو‭ ‬عليه‭ ‬القلق‭ ‬من‭ ‬جمال‭ ‬الأرض‭.‬

كانت‭ ‬القارات‭ ‬السبع‭ ‬واضحة‭ ‬وضوح‭ ‬الشمس،‭ ‬وجميعها‭ ‬ملفوفة‭ ‬بغلاف‭ ‬مائي‭ ‬أزرق‭ ‬أشبه‭ ‬بالجنة‭ ‬التي‭ ‬تجري‭ ‬من‭ ‬تحتها‭ ‬وفوقها‭ ‬الأنهار،‭ ‬وكنت‭ ‬شديد‭ ‬الانبهار‭ ‬بالعِلم‭ ‬الذي‭ ‬كشف‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬الجاذبية‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬أنفسنا‭ ‬من‭ ‬بعيد،‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نضيف‭ ‬إلى‭ ‬فخرنا‭ ‬بأنفسنا‭ ‬فخرًا‭ ‬لا‭ ‬تخفت‭ ‬جمالياته،‭ ‬ولا‭ ‬تهدأ‭ ‬مفاتنه‭.‬

هذه‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬خلقها‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬لنا،‭ ‬وتلك‭ ‬هي‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬التي‭ ‬سهلت‭ ‬علينا‭ ‬معرفة‭ ‬حقيقة‭ ‬كوننا‭ ‬التي‭ ‬يبشر‭ ‬المهووسون‭ ‬بنهايتها‭ ‬عاجلاً‭ ‬أم‭ ‬آجلاً‭. ‬هنا‭ ‬تخرج‭ ‬فئة‭ ‬من‭ ‬“العدميين‭ ‬الجدد”‭ ‬لتحاول‭ ‬أن‭ ‬تبيع‭ ‬علينا‭ ‬فكرة‭ ‬الوجود‭ ‬المُفضي‭ ‬إلى‭ ‬اللاوجود،‭ ‬والبدايات‭ ‬التي‭ ‬ترتبط‭ ‬حتمًا‭ ‬بالنهايات،‭ ‬عملاً‭ ‬بالكلمة‭ ‬المأثورة‭: ‬“إن‭ ‬لكل‭ ‬بداية‭ ‬نهاية”،‭ ‬حتى‭ ‬الكون‭ ‬غير‭ ‬المعروفة‭ ‬بدايته‭ ‬يذهب‭ ‬“العدميون”‭ ‬للتخمين‭ ‬ووضع‭ ‬النظريات،‭ ‬وافتراض‭ ‬البلاء‭ ‬وتحديد‭ ‬موعدًا‭ ‬له،‭ ‬سواء‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬نهاية‭ ‬التعليم‭ ‬كخط‭ ‬نهاية‭ ‬أول،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مفاجآت‭ ‬من‭ ‬الطبيعة‭ ‬الكارثية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالزلازل‭ ‬العملاقة‭ ‬والبراكين‭ ‬الشرسة،‭ ‬والتسونامي‭ ‬الكاسح‭ ‬للقارات‭.‬

أما‭ ‬الذين‭ ‬يروجون‭ ‬لنهاية‭ ‬العِلم،‭ ‬وانتهاء‭ ‬التعليم‭ ‬والتعلم،‭ ‬وإلغاء‭ ‬الجامعات،‭ ‬فهم‭ ‬الافتراضيون‭ ‬المبالغون‭ ‬في‭ ‬خيالاتهم،‭ ‬والمتمادون‭ ‬على‭ ‬النِّعَم‭ ‬التي‭ ‬وهبها‭ ‬الخالق‭ ‬لنا‭. ‬إلى‭ ‬أولئك‭ ‬وهولاء‭ ‬أقول‭: ‬“ما‭ ‬أُوتيتُم‭ ‬من‭ ‬العِلمِ‭ ‬إلَّا‭ ‬قليلاً”،‭ ‬وأن‭ ‬كل‭ ‬التقدم‭ ‬الذي‭ ‬نراه‭ ‬لا‭ ‬ولن‭ ‬يكفي،‭ ‬وأن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬السحابية‭ ‬التي‭ ‬تأخذنا‭ ‬من‭ ‬زمن‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬ومن‭ ‬عالم‭ ‬منتمي‭ ‬إلى‭ ‬عوالم‭ ‬ليست‭ ‬منتمية،‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬نظريات‭ ‬تعود‭ ‬في‭ ‬زمانها‭ ‬ومكانها‭ ‬إلى‭ ‬فريق‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬الميتافيزيائيين‭ ‬الذين‭ ‬يروجون‭ ‬لفكرة‭ ‬جديدة‭ ‬قديمة‭ ‬مفادها‭: ‬“الربط‭ ‬بين‭ ‬القيامة‭ ‬ونهاية‭ ‬الكون”‭.‬

رغم‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لنا‭ ‬كأكاديميين‭ ‬أن‭ ‬نستسلم‭ ‬لهذه‭ ‬الأفكار‭ ‬العدمية،‭ ‬لأن‭ ‬التقدم‭ ‬العلمي‭ ‬مازال‭ ‬أمامه‭ ‬الكثير‭ ‬الذي‭ ‬مهما‭ ‬حقق‭ ‬من‭ ‬ابتكار‭ ‬وإبداع،‭ ‬ومهما‭ ‬تجلى‭ ‬في‭ ‬إنجازات‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬لها‭ ‬مثيل،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬حقائق‭ ‬الحياة‭ ‬مازالت‭ ‬تحتاج‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬العقول‭ ‬أو‭ ‬أولي‭ ‬الألباب‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الفقر‭ ‬والجهل‭ ‬والأمراض‭ ‬والأوبئة،‭ ‬وأن‭ ‬العِلم‭ ‬الذي‭ ‬يستكثره‭ ‬علينا‭ ‬“البعض”‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إلا‭ ‬بداية‭ ‬طريق‭ ‬طويل‭ ‬لعلاج‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أخطر،‭ ‬وتحسين‭ ‬ظروف‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أدنى،‭ ‬وإضافة‭ ‬علوم‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬عنها‭ ‬إلا‭ ‬جملة‭ ‬اعتراضية‭ ‬واحدة‭: ‬إن‭ ‬ما‭ ‬خُفِيَ‭ ‬هو‭ ‬أعظم‭.‬

‭* ‬الرئيس‭ ‬المؤسس‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬أمناء‭ ‬الجامعة‭ ‬الأهلية