الطب الخاص والرسالة الإنسانية في معركة بقاء

| د. سهيلة آل صَفَر

الطب‭ ‬رسالة‭ ‬إنسانية‭ ‬سامية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬قطاع،‭ ‬وقد‭ ‬تختلف‭ ‬بيئة‭ ‬ممارسته‭ ‬جذريا‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الطب‭ ‬الحكومي‭ ‬والطب‭ ‬الخاص؛‭ ‬ففي‭ ‬القطاع‭ ‬الحكومي‭ ‬يعمل‭ ‬الطبيب‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬ممولة‭ ‬من‭ ‬الدولة،‭ ‬ويتقاضى‭ ‬راتبا‭ ‬ثابتا،‭ ‬ويستند‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬إدارية‭ ‬متكاملة‭ ‬تتحمل‭ ‬مسؤوليات‭ ‬تشغيل‭ ‬وصيانة‭ ‬وكوادر‭ ‬مساندة،‭ ‬مع‭ ‬الرقابة‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬مؤسسي‭ ‬واضح‭ ‬ومنضبط‭ ‬قانونا؛‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يوفر‭ ‬قدرا‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬الوظيفي‭ ‬والمادي‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬الطب‭ ‬الخاص‭ ‬فالمعادلة‭ ‬مختلفة‭ ‬تماما؛‭ ‬فالطبيب‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬مهب‭ ‬الريح،‭ ‬لا‭ ‬راتب‭ ‬ولا‭ ‬حماية‭ ‬لأي‭ ‬شيء،‭ ‬بل‭ ‬كل‭ ‬اعتماده‭ ‬على‭ ‬سوق‭ ‬محدودة‭ ‬السكان،‭ ‬ومن‭ ‬حوله‭ ‬المستثمرون‭ ‬ينافسونه،‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬هو‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬الترخيص‭ ‬والرسوم‭ ‬والإيجار‭ ‬والرواتب‭ ‬والتأمين‭ ‬والمجازفة‭ ‬بكل‭ ‬مدخراته،‭ ‬إلى‭ ‬الضغوط‭ ‬المتواصلة‭ ‬لإثبات‭ ‬كفاءته،‭ ‬ويتحول‭ ‬من‭ ‬طبيب‭ ‬صاحب‭ ‬رسالة‭ ‬إلى‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الدراسة‭ ‬والتدريب‭ ‬والمناوبات‭ ‬الصارمة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬كافية‭ ‬لمنحه‭ ‬الثقة‭ ‬المهنية‭ ‬التي‭ ‬يستحقها؛‭ ‬فتتراكم‭ ‬عليه‭ ‬المسؤوليات‭ ‬لضرورة‭ ‬البدء‭ ‬بدورات‭ ‬تدريبية‭ ‬إلزامية‭ ‬وشهادات‭ ‬دورية‭ ‬لإثبات‭ ‬جدارته‭ ‬ولتجديد‭ ‬الرخصة‭ ‬السنوية‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬مسؤوليته‭ ‬الطبية‭ ‬الكاملة‭ ‬أمام‭ ‬المريض‭ ‬والجهات‭ ‬القانونية‭ ‬الرقابية‭ ‬كالسيف‭ ‬المسلط‭ ‬على‭ ‬رقبته‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬فهو‭ ‬الطبيب‭ ‬والممول‭ ‬الذي‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬السوق‭ ‬وتقلباتها،‭ ‬وإذا‭ ‬حاول‭ ‬الاستفسار‭ ‬ومناقشة‭ ‬الأثر‭ ‬العملي‭ ‬لأي‭ ‬قرار‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬قنوات‭ ‬مؤصدة‭ ‬ومنصات‭ ‬إلكترونية‭ ‬باردة‭ ‬واختفاء‭ ‬البشر‭ ‬وراءها‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬إطار‭ ‬واضح‭ ‬ليحتضن‭ ‬الشكوى‭ ‬أو‭ ‬يخفف‭ ‬من‭ ‬عبئها،‭ ‬إما‭ ‬التنفيذ‭ ‬أو‭ ‬الغرامة‭.

في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬فتح‭ ‬فيه‭ ‬المجال‭ ‬للاستثمارات‭ ‬بمنطق‭ ‬الربح‭ ‬وليس‭ ‬الحاجة،‭ ‬وهرع‭ ‬الأجانب‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬قيض‭ ‬وفيض‭ ‬لأرض‭ ‬الأحلام،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬الأجانب‭ ‬المشكلة،‭ ‬فالعلم‭ ‬لا‭ ‬وطن‭ ‬له،‭ ‬ولكن‭ ‬حينما‭ ‬تتحول‭ ‬المهنة‭ ‬إلى‭ ‬منظومات‭ ‬مغلقة‭ ‬توظف‭ ‬فيها‭ ‬كل‭ ‬جالية‭ ‬أبناءها‭ ‬دون‭ ‬نقل‭ ‬حقيقي‭ ‬للمعرفة‭ ‬أو‭ ‬شراكة‭ ‬وطنية‭ ‬متوازنة،‭ ‬هنا‭ ‬ندخل‭ ‬استثمارا‭ ‬منفصلا‭ ‬عن‭ ‬البيئة،‭ ‬كلٌ‭ ‬يعزز‭ ‬جاليته‭ ‬الكاملة‭ ‬معه،‭ ‬تكسب‭ ‬وتصدر‭ ‬الأرباح‭ ‬للخارج‭ ‬وتعوض‭ ‬ما‭ ‬جاءت‭ ‬به‭ ‬للاستثمار‭ ‬بغضون‭ ‬شهور‭ ‬قليلة‭.‬

ومع‭ ‬سوق‭ ‬محدودة‭ ‬الرقعة‭ ‬السكانية‭ ‬وتكدس‭ ‬التراخيص‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬هب‭ ‬ودب،‭ ‬تصبح‭ ‬معركة‭ ‬البقاء‭ ‬ودخلا‭ ‬يتآكل‭ ‬واستقرارا‭ ‬مهنيا‭ ‬يهتز‭ ‬وثقة‭ ‬تختبر‭ ‬مرارا،‭ ‬أما‭ ‬حال‭ ‬الخريجين‭ ‬الجدد‭ ‬فلهم‭ ‬الله،‭ ‬فلا‭ ‬توجد‭ ‬لهم‭ ‬الوظائف‭ ‬ولا‭ ‬التدريب‭ ‬الوافي‭ ‬المدروس‭ ‬للتخصص‭ ‬لقلة‭ ‬المقاعد؛‭ ‬فيتبخر‭ ‬الحلم‭ ‬للعمل‭ ‬لخدمة‭ ‬الوطن‭ ‬والاستثمار‭ ‬فيه،‭ ‬حيث‭ ‬حتى‭ ‬هذا‭ ‬اختزله‭ ‬الأجانب؛‭ ‬فبدأت‭ ‬هجرة‭ ‬العقول‭ ‬وضاع‭ ‬ابن‭ ‬الوطن‭ ‬في‭ ‬الغربة،‭ ‬ونرى‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬وذاك‭ ‬أن‭ ‬الاستثمار‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬هنا‭ ‬يبدأ‭ ‬بالإنسان،‭ ‬بالاهتمام‭ ‬بالطبيب‭/‬‏الطبيبة،‭ ‬وطواقمه‭ ‬كافة،‭ ‬في‭ ‬تدريبه‭ ‬واستقراره‭ ‬ومنحه‭ ‬بيئة‭ ‬عادلة‭ ‬تمكنه‭ ‬من‭ ‬أداء‭ ‬رسالته؛‭ ‬فمهنة‭ ‬الطب‭ ‬ليست‭ ‬تجارة،‭ ‬بل‭ ‬ركيزة‭ ‬مجتمع،‭ ‬وحماية‭ ‬الطبيب‭ ‬ليست‭ ‬مطلبا‭ ‬شخصيا،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬وطنية‭ ‬تحمي‭ ‬جودة‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬بأكملها‭.‬

وكم‭ ‬من‭ ‬مريض‭ ‬يدفع‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يملكه‭ ‬من‭ ‬مال‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬وضعه‭ ‬المادي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يشفى‭ ‬من‭ ‬مرض‭ ‬عضال‭. ‬والله‭ ‬الموفق‭.‬