التدخين.. عود على بدء (1)

| د.سيد محمود القلاف

أتذكر‭ ‬أنني‭ ‬عندما‭ ‬كنت‭ ‬أقوم‭ ‬بتدريس‭ ‬مواد‭ ‬الصيدلة‭ ‬خصوصا‭ ‬مادتي‭ ‬“علم‭ ‬الأدوية”‭ (‬Pharmacology‭) ‬و‭ ‬“علاج‭ ‬الأمراض”‭ (‬Pharmacotherapy‭)‬،‭ ‬وفي‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بعوامل‭ ‬الخطر‭ ‬لحدوث‭ ‬الأمراض‭ ‬المختلفة،‭ ‬فإن‭ ‬التدخين‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬المقدمة‭ ‬لأغلبها؛‭ ‬فالتدخين‭ ‬عامل‭ ‬خطر‭ ‬رئيس‭ ‬لحدوث‭ ‬أمراض‭ ‬القلب‭ ‬والرئتين‭ ‬والجهاز‭ ‬الهضمي‭. ‬ونسميه‭ ‬عامل‭ ‬خطر‭ ‬وليس‭ ‬سببا‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬أحد‭ ‬المجادلين‭ ‬بالقول‭ ‬إن‭ ‬قسما‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬المدخنين‭ ‬لا‭ ‬يصابون‭ ‬بهذه‭ ‬الأمراض‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬حملات‭ ‬التوعية‭ ‬الصحية،‭ ‬ووضع‭ ‬التحذيرات‭ ‬المصورة‭ ‬على‭ ‬علب‭ ‬السجائر،‭ ‬وازدياد‭ ‬الوعي‭ ‬المجتمعي،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬المشهد‭ ‬يتكرر‭ ‬ملايين‭ ‬المرات‭ ‬يوميا‭ ‬في‭ ‬مدننا‭ ‬وبلداتنا‭: ‬شخص‭ ‬يقف‭ ‬تحت‭ ‬المطر‭ ‬خارج‭ ‬مبنى‭ ‬مكتبي،‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأصدقاء‭ ‬يضحكون‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬عامة،‭ ‬سائق‭ ‬يضع‭ ‬ذراعه‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬نافذة‭ ‬سيارته،‭ ‬والبعض‭ ‬يتوارى‭ ‬في‭ ‬المرافق‭ ‬الصحية‭ ‬ربما‭ ‬ليخفي‭ ‬ما‭ ‬يفعل‭. ‬في‭ ‬أيديهم،‭ ‬توجد‭ ‬تلك‭ ‬الأسطوانة‭ ‬البيضاء‭ ‬الصغيرة،‭ ‬ذلك‭ ‬المنتج‭ ‬الذي،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الأدلة‭ ‬الطبية،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬جزءا‭ ‬عميق‭ ‬الجذور‭ ‬من‭ ‬نسيجنا‭ ‬الاجتماعي‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الإحصاءات‭ ‬معروفة‭ ‬ومتكررة،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تبقى‭ ‬مرعبة‭. ‬وفقا‭ ‬لمنظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية،‭ ‬يتسبب‭ ‬التدخين‭ ‬في‭ ‬وفاة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬8‭ ‬ملايين‭ ‬شخص‭ ‬سنويا،‭ ‬وتحدث‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬7‭ ‬ملايين‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الوفيات‭ ‬نتيجة‭ ‬الاستخدام‭ ‬المباشر‭ ‬للتبغ،‭ ‬بينما‭ ‬يموت‭ ‬حوالي‭ ‬1‭.‬3‭ ‬مليون‭ ‬شخص‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المدخنين‭ ‬بسبب‭ ‬التعرض‭ ‬للتدخين‭ ‬السلبي‭. ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬إحصاءات،‭ ‬بل‭ ‬تمثل‭ ‬آباء‭ ‬وأمهات‭ ‬وأبناء‭ ‬وأصدقاء‭ ‬فقدوا‭ ‬حياتهم‭ ‬بسبب‭ ‬عادة‭ ‬يمكن‭ ‬الوقاية‭ ‬منها‭.‬

لا‭ ‬يزال‭ ‬التدخين‭ ‬يمثل‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬التحديات‭ ‬الصحية‭ ‬العامة‭ ‬وأكثرها‭ ‬قابلية‭ ‬للوقاية‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭ ‬الحالي؛‭ ‬فأنظمة‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الدول‭ ‬تئن‭ ‬تحت‭ ‬ضغوط‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة؛‭ ‬ما‭ ‬يحتم‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬عمود‭ ‬الدخان‭ ‬المألوف‭ ‬ومواجهة‭ ‬الحقيقة‭ ‬المروعة‭ ‬للضرر‭ ‬الذي‭ ‬يحدثه‭. ‬التدخين‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬“خيار‭ ‬أسلوب‭ ‬حياة”،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬حالة‭ ‬طوارئ‭ ‬صحية‭ ‬عامة‭ ‬تواصل‭ ‬حصد‭ ‬أرواح‭ ‬المواطنين‭ ‬بشكل‭ ‬مروع‭.‬

كما‭ ‬تتحمل‭ ‬الأسر‭ ‬عبئا‭ ‬ماليا‭ ‬مباشرا؛‭ ‬إذ‭ ‬تمثل‭ ‬تكلفة‭ ‬شراء‭ ‬السجائر‭ ‬بشكل‭ ‬منتظم‭ ‬مبلغا‭ ‬كبيرا‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬استثماره‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬أو‭ ‬الصحة‭ ‬أو‭ ‬احتياجات‭ ‬الأسرة.

وفي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬يجد‭ ‬المدخنون‭ ‬أنفسهم‭ ‬عالقين‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬إدمان‭ ‬النيكوتين،‭ ‬مدركين‭ ‬للضرر‭ ‬ولكنهم‭ ‬يواجهون‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬الإقلاع‭ ‬بسبب‭ ‬الطبيعة‭ ‬الإدمانية‭ ‬القوية‭ ‬لهذه‭ ‬المادة‭.‬

يؤثر‭ ‬التدخين‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬أعضاء‭ ‬الجسم‭ ‬تقريبا،‭ ‬وتُعد‭ ‬الرئتان‭ ‬الأكثر‭ ‬تضررا؛‭ ‬فمع‭ ‬كل‭ ‬نفس،‭ ‬تدخل‭ ‬مواد‭ ‬سامة‭ ‬مثل‭ ‬القطران‭ ‬وأول‭ ‬أكسيد‭ ‬الكربون‭ ‬والفورمالدهيد؛‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تلف‭ ‬أنسجة‭ ‬الرئة،‭ ‬وتقليل‭ ‬تبادل‭ ‬الأكسجين،‭ ‬وإضعاف‭ ‬دفاعات‭ ‬الجسم‭ ‬الطبيعية،‭ ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬الإصابة‭ ‬بمرض‭ ‬الانسداد‭ ‬الرئوي‭ ‬المزمن‭ (‬COPD‭) ‬وسرطان‭ ‬الرئة‭ ‬وضعف‭ ‬دائم‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التنفس‭. ‬وربما‭ ‬يظهر‭ ‬هذا‭ ‬الأثر‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬سنين‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬التوقف‭ ‬عن‭ ‬التدخين‭ ‬كما‭ ‬شهدنا‭ ‬لدى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المرضى‭.‬

لكن‭ ‬الضرر‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬فمن‭ ‬المسلّم‭ ‬به‭ ‬أن‭ ‬التدخين‭ ‬يزيد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬خطر‭ ‬الإصابة‭ ‬بالنوبات‭ ‬القلبية‭ ‬والسكتات‭ ‬الدماغية،‭ ‬حيث‭ ‬يؤدي‭ ‬النيكوتين‭ ‬إلى‭ ‬تضيق‭ ‬الأوعية‭ ‬الدموية‭ ‬وارتفاع‭ ‬ضغط‭ ‬الدم،‭ ‬ويجبر‭ ‬القلب‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬بجهد‭ ‬أكبر،‭ ‬بينما‭ ‬يقلل‭ ‬أول‭ ‬أكسيد‭ ‬الكربون‭ ‬قدرة‭ ‬الدم‭ ‬على‭ ‬حمل‭ ‬الأكسجين؛‭ ‬ما‭ ‬يحرم‭ ‬الأعضاء‭ ‬الحيوية‭ ‬من‭ ‬الأكسجين‭ ‬اللازم‭ ‬لوظائفها‭.‬

وتشير‭ ‬مراكز‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الأمراض‭ ‬والوقاية‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المدخنين‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للإصابة‭ ‬بأمراض‭ ‬القلب‭ ‬التاجية‭ ‬بمقدار‭ ‬مرتين‭ ‬إلى‭ ‬أربع‭ ‬مرات‭ ‬مقارنة‭ ‬بغير‭ ‬المدخنين‭. ‬كما‭ ‬يساهم‭ ‬التدخين‭ ‬في‭ ‬تفاقم‭ ‬مضاعفات‭ ‬السكري،‭ ‬وإضعاف‭ ‬جهاز‭ ‬المناعة،‭ ‬وتأخير‭ ‬التئام‭ ‬الجروح،‭ ‬وتسريع‭ ‬شيخوخة‭ ‬الجلد،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تأثيره‭ ‬في‭ ‬كثافة‭ ‬العظام‭ ‬وصحة‭ ‬الأسنان‭ ‬والرؤية‭.‬

أثبتت‭ ‬التجارب‭ ‬والأبحاث‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬المدخنين‭ ‬يبدأون‭ ‬هذه‭ ‬العادة‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬مبكرة،‭ ‬غالبا‭ ‬بسبب‭ ‬ضغط‭ ‬الأقران‭ ‬أو‭ ‬الفضول‭ ‬أو‭ ‬المفاهيم‭ ‬الخاطئة‭. ‬وتلعب‭ ‬التوعية‭ ‬دورا‭ ‬أساسيا‭ ‬في‭ ‬تصحيح‭ ‬هذه‭ ‬المفاهيم‭ ‬وتمكين‭ ‬الشباب‭ ‬من‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬صحية‭ ‬واعية‭.‬

وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬السياسات‭ ‬الصارمة،‭ ‬مثل‭ ‬منع‭ ‬التدخين‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬العامة،‭ ‬وتقييد‭ ‬الإعلانات،‭ ‬وفرض‭ ‬الضرائب‭ ‬على‭ ‬منتجات‭ ‬التبغ،‭ ‬فعاليتها‭ ‬في‭ ‬تقليل‭ ‬معدلات‭ ‬التدخين‭ ‬عالميا‭.‬

‭*‬أكاديمي‭ ‬وعضو‭ ‬مؤسس‭ ‬بجمعية‭ ‬الصيادلة‭ ‬البحرينية