انتخابات “الغرفة”.. مسؤولية المرحلة وشراكة التحول

| عبدالنبي الشعلة

لم‭ ‬يبقَ‭ ‬سوى‭ ‬أيام‭ ‬معدودات‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬انتخابات‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬غرفة‭ ‬تجارة‭ ‬وصناعة‭ ‬البحرين‭ ‬للدورة‭ ‬الحادية‭ ‬والثلاثين،‭ ‬المزمع‭ ‬إجراؤها‭ ‬في‭ ‬الثامن‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬مارس‭ ‬الجاري‭.‬

وتأتي‭ ‬هذه‭ ‬الانتخابات‭ ‬في‭ ‬توقيت‭ ‬بالغ‭ ‬الحساسية،‭ ‬يتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬الاستحقاق‭ ‬المؤسسي‭ ‬مع‭ ‬تحولات‭ ‬اقتصادية‭ ‬عميقة‭ ‬تشهدها‭ ‬البحرين‭ ‬والمنطقة‭ ‬والعالم‭.‬

فالاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬يمر‭ ‬بمرحلة‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل،‭ ‬تتراجع‭ ‬فيها‭ ‬النماذج‭ ‬الريعية‭ ‬التقليدية،‭ ‬وتتصاعد‭ ‬فيها‭ ‬أهمية‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬والابتكار،‭ ‬والقدرة‭ ‬التنافسية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الدور‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للدولة،‭ ‬في‭ ‬منطقتنا‭ ‬الخليجية،‭ ‬قابلًا‭ ‬للاستمرار‭ ‬بالصيغة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬سادت‭ ‬عقودا،‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬للقطاع‭ ‬الخاص‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬التابع‭ ‬أو‭ ‬المتلقي‭.‬

إن‭ ‬التحول‭ ‬المرتقب‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الريعي‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإنتاجي‭ ‬يفرض‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬للأدوار،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬انتقال‭ ‬الدولة‭ ‬تدريجيًا‭ ‬من‭ ‬قيادة‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬إلى‭ ‬تنظيمه‭ ‬وتمكينه،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬انتقال‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬الشريك‭ ‬القائد‭ ‬والمحرّك‭ ‬الأساسي‭ ‬للنمو‭ ‬وخلق‭ ‬القيمة‭.‬

هنا‭ ‬تبرز‭ ‬غرفة‭ ‬تجارة‭ ‬وصناعة‭ ‬البحرين‭ ‬بوصفها‭ ‬مؤسسة‭ ‬محورية،‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تلعب‭ ‬دور‭ ‬الجسر‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والقطاع‭ ‬الخاص،‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬منصة‭ ‬جامعة‭ ‬للحوار،‭ ‬وصياغة‭ ‬الرؤى،‭ ‬والدفاع‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬مصالح‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭.‬

وقد‭ ‬تأسست‭ ‬الغرفة‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1939‭ ‬كأول‭ ‬غرفة‭ ‬تجارية‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬ورافقت‭ ‬مراحل‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة،‭ ‬وأسهمت،‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة،‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الحركة‭ ‬التجارية‭ ‬والصناعية‭ ‬والخدمية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬ظل‭ ‬النقاش‭ ‬عن‭ ‬دورها‭ ‬وحدود‭ ‬تأثيرها‭ ‬حاضرًا‭ ‬عبر‭ ‬مراحل‭ ‬مختلفة،‭ ‬وهو‭ ‬نقاش‭ ‬صحي‭ ‬ومشروع،‭ ‬يعكس‭ ‬تطلعات‭ ‬متجددة‭ ‬لدى‭ ‬منتسبيها‭.‬

وقد‭ ‬عرفتُ‭ ‬هذا‭ ‬الجدل‭ ‬عن‭ ‬قرب‭ ‬منذ‭ ‬أواخر‭ ‬السبعينات،‭ ‬ثم‭ ‬خلال‭ ‬عضويتي‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬الغرفة‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬1983‭ ‬ولثلاث‭ ‬دورات‭. ‬واليوم،‭ ‬يعود‭ ‬هذا‭ ‬النقاش‭ ‬بزخم‭ ‬أكبر،‭ ‬لا‭ ‬بدافع‭ ‬التشكيك،‭ ‬بل‭ ‬بدافع‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الغرفة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التحولات‭ ‬القادمة‭.‬

لقد‭ ‬جاء‭ ‬فرض‭ ‬العضوية‭ ‬الإلزامية‭ ‬عبر‭ ‬التشريعات‭ ‬المنظمة،‭ ‬بهدف‭ ‬توحيد‭ ‬مظلة‭ ‬التمثيل‭ ‬وتعزيز‭ ‬قدرة‭ ‬الغرفة‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬دورها،‭ ‬وهو‭ ‬توجه‭ ‬يستدعي،‭ ‬بطبيعته،‭ ‬مسؤولية‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬ملموسة‭ ‬للأعضاء،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الشفافية،‭ ‬وتوسيع‭ ‬دوائر‭ ‬المشاركة‭ ‬والتأثير‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الجارية،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬السؤال‭ ‬مقتصرًا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬قدمته‭ ‬الغرفة‭ ‬في‭ ‬الماضي،‭ ‬بل‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تقدمه‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭:‬

كيف‭ ‬يمكنها‭ ‬دعم‭ ‬انتقال‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الإنفاق‭ ‬الحكومي‭ ‬إلى‭ ‬قيادة‭ ‬النمو؟

كيف‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬تمكين‭ ‬الشركات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة،‭ ‬وتشجيع‭ ‬الابتكار،‭ ‬وتعزيز‭ ‬التنافسية؟

وكيف‭ ‬تكون‭ ‬شريكًا‭ ‬فاعلًا‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬متلقٍ‭ ‬لها؟

إن‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬الريع‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬الخيارات‭ ‬الصعبة‭ ‬ليس‭ ‬تحولًا‭ ‬تقنيًا،‭ ‬بل‭ ‬مسار‭ ‬وطني‭ ‬يتطلب‭ ‬تضافر‭ ‬الجهود،‭ ‬ووضوح‭ ‬الرؤية،‭ ‬وحسن‭ ‬إدارة‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الطموح‭ ‬والواقعية‭. ‬وهو‭ ‬مسار‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إنجاحه‭ ‬دون‭ ‬قطاع‭ ‬خاص‭ ‬واثق،‭ ‬ومنظم،‭ ‬وقادر‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬المسؤولية‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تكتسب‭ ‬انتخابات‭ ‬الغرفة‭ ‬أهميتها‭ ‬الحقيقية؛‭ ‬فهي‭ ‬فرصة‭ ‬لتجديد‭ ‬الأفكار،‭ ‬وضخ‭ ‬دماء‭ ‬جديدة،‭ ‬وتقديم‭ ‬برامج‭ ‬انتخابية‭ ‬تعكس‭ ‬فهمًا‭ ‬عميقًا‭ ‬لطبيعة‭ ‬المرحلة،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الشعارات،‭ ‬وقريبًا‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬الفعلية‭.‬

المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬تتطلب‭ ‬من‭ ‬الغرفة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مؤسسة‭ ‬مبادرة،‭ ‬وشريكًا‭ ‬وطنيًا‭ ‬مسؤولًا،‭ ‬ومنصة‭ ‬جامعة‭ ‬لا‭ ‬ساحة‭ ‬انقسام‭.‬

كما‭ ‬تتطلب‭ ‬من‭ ‬المرشحين‭ ‬تقديم‭ ‬رؤى‭ ‬واقعية،‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬مصالح‭ ‬الأعضاء،‭ ‬والمصلحة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العليا‭ ‬للوطن‭.‬

إن‭ ‬غرفة‭ ‬تجارة‭ ‬وصناعة‭ ‬البحرين‭ ‬أمام‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية‭ ‬لتعزيز‭ ‬دورها،‭ ‬والمساهمة‭ ‬بفاعلية‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬التحول‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬معًا،‭ ‬وهي‭ ‬مسؤولية‭ ‬مشتركة،‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بنتائج‭ ‬الانتخابات،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬يليها‭ ‬من‭ ‬عمل‭ ‬جاد،‭ ‬وتعاون‭ ‬مثمر،‭ ‬وشراكة‭ ‬واعية‭ ‬مع‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭.‬