الأحساء.. ماذا بعد الإرث الاقتصادي؟

| د. إحسان علي بوحليقة

بعد‭ ‬تعرفي‭ ‬على‭ ‬الآثاري‭ ‬السعودي‭ ‬الحاذق‭ ‬د‭. ‬عبدالله‭ ‬المصري،‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬ليست‭ ‬بالقليلة،‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬أسمعه‭ ‬في‭ ‬صباي‭ ‬وأقرأه‭ ‬متناثرا‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭ ‬هو‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬يبعد‭ ‬كثيرا‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬أوتاد‭ ‬التحضر‭ ‬ضاربة‭ ‬في‭ ‬الأحساء‭ ‬منذ‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬حديثه‭ ‬مذهلا‭ ‬عن‭ ‬أعمال‭ ‬تنقيب‭ ‬علمية‭ ‬ومنهجية‭ ‬أجريت‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬قرى‭ ‬الأحساء‭ ‬إبان‭ ‬تحضيره‭ ‬لأطروحته‭ ‬لنيل‭ ‬الدكتوراه‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬شيكاغو‭. ‬وقابلت‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الآثاريين‭ ‬المرموقين‭ ‬ومن‭ ‬أبرزهم‭ ‬د‭. ‬عبدالرحمن‭ ‬الأنصاري‭ ‬يرحمه‭ ‬الله‭ ‬الذي‭ ‬جمعتني‭ ‬معه‭ ‬مقاعد‭ ‬مجلس‭ ‬الشورى،‭ ‬ود‭. ‬سعد‭ ‬الراشد،‭ ‬ود‭. ‬علي‭ ‬المغَنم‭ ‬الذي‭ ‬طال‭ ‬الحديث‭ ‬بيننا‭ ‬عن‭ ‬الجهود‭ ‬التي‭ ‬تبذلها‭ ‬الدولة‭ ‬لاستكشاف‭ ‬المكنوز‭ ‬الآثاري،‭ ‬وله‭ ‬مؤلفات‭ ‬أحدها‭ ‬عن‭ ‬جواثا‭ (‬أو‭ ‬جواثى‭).‬

تاريخيا،‭ ‬امتلكت‭ ‬الأحساء‭ ‬اقتصادا‭ ‬منوعا؛‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬ترسل‭ ‬تمورها‭ ‬ومحاصيلها‭ ‬الزراعية‭ ‬للمناطق‭ ‬المجاورة‭ ‬والبعيدة،‭ ‬وكانت‭ ‬أسواقها‭ ‬مقصدا‭ ‬للمتبضعين‭ ‬من‭ ‬سائر‭ ‬البلدان‭ ‬المحيطة،‭ ‬حيث‭ ‬تتوافر‭ ‬البضائع‭ ‬ويتنافس‭ ‬عليها‭ ‬التجار‭ ‬بيعا‭ ‬وشراء‭. ‬وبحكم‭ ‬انتشار‭ ‬الصناعات‭ ‬التقليدية‭ ‬منذ‭ ‬قرون،‭ ‬فتجد‭ ‬تدرجا‭ ‬في‭ ‬الجودة؛‭ ‬ففي‭ ‬دنيا‭ ‬الهدم‭ ‬والمشالح،‭ ‬مثلا،‭ ‬تجد‭ ‬تفاوتا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬النسيج‭ ‬والحياكة‭ ‬والتطريز‭ ‬اليدوي‭. ‬وفي‭ ‬الزراعة،‭ ‬فنظام‭ ‬الري‭ ‬اتسم‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بتجنب‭ ‬البخر‭ ‬وبدقة‭ ‬توزيع‭ ‬مياه‭ ‬الري،‭ ‬بل‭ ‬بتصريف‭ ‬وتدوير‭ ‬المياه‭ ‬للري‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬أتت‭ ‬مفردات‭ ‬مثل‭ ‬“طايح‭ ‬وطايح‭ ‬الطايح”،‭ ‬فالطايح‭ ‬هو‭ ‬ماء‭ ‬صرف‭ ‬المزارع،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يستخدم‭ ‬في‭ ‬ري‭ ‬المزروعات‭ ‬الأكثر‭ ‬تَحملا‭ ‬لمستويات‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬الملوحة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تطبيق‭ ‬والتزام‭ ‬بمبدأ‭ ‬الاستدامة‭ ‬التي‭ ‬تتصدر‭ ‬المنابر‭ ‬هذه‭ ‬الأيام،‭ ‬من‭ ‬خلال‭: ‬الاستخدام‭ ‬المتعدد‭ ‬والمتتابع‭ ‬والمقتصد‭ ‬للمورد‭ ‬النادر‭ (‬الماء‭) ‬والقائم‭ ‬على‭ ‬السعي‭ ‬الحثيث‭ ‬لتعظيم‭ ‬عائد‭ ‬“سلسلة‭ ‬القيمة”‭ ‬value chain،‭ ‬بما‭ ‬أوجد‭ ‬تنوعا‭ ‬في‭ ‬المحاصيل‭ ‬من‭ ‬تمور‭ ‬وفواكه‭ (‬ولا‭ ‬أنسى‭ ‬العنب‭ ‬والرمان‭ ‬والبوبي‭ ‬أو‭ ‬“البابايا”‭) ‬والورقيات‭ ‬وحتى‭ ‬الأرز‭. ‬

وباعتبار‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ظاهرة‭ ‬اجتماعية‭ ‬تعتمد‭ ‬عموما‭ ‬على‭ ‬جهد‭ ‬وحذق‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية،‭ ‬فالقيمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأهم‭ ‬هي‭ ‬الفرد،‭ ‬فالعيب‭ - ‬في‭ ‬الأحساء‭ - ‬ليس‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬الشخص‭ ‬براتب‭ ‬بسيط‭ (‬موظفا‭) ‬بل‭ ‬العيب‭ ‬كل‭ ‬العيب‭ ‬أن‭ ‬يتسكع‭ ‬طوعا‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الكد‭. ‬وفي‭ ‬الإدارة،‭ ‬فالحذق‭ ‬ليس‭ ‬التضييق‭ ‬بل‭ ‬تحفيز‭ ‬العامل،‭ ‬وهو‭ ‬مرتكز‭ ‬وضعه‭ ‬“تايلور”‭ ‬في‭ ‬إدارته‭ ‬العلمية‭ ‬قبل‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬يطبق‭ ‬في‭ ‬الأحساء‭ ‬منذ‭ ‬قرون‭ ‬بأن‭ ‬يتفق‭ ‬مالك‭ ‬النخل‭ ‬مع‭ ‬“شريك”‭ ‬بأن‭ ‬يعتني‭ ‬الأخير‭ ‬بالنخل‭ ‬مقابل‭ ‬حصة‭ ‬من‭ ‬المحصول،‭ ‬وكان‭ ‬“الشريك”‭ ‬يدير‭ ‬بعقلية‭ ‬ودوافع‭ ‬المالك‭ ‬بما‭ ‬يحَسن‭ ‬العائد‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬المصاريف‭. ‬ولن‭ ‬أغادر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أتحدث‭ ‬أن‭ ‬التجويد‭ ‬ليس‭ ‬مقصورا‭ ‬على‭ ‬الزراعة‭ ‬وإنتاج‭ ‬أفضل‭ ‬أنواع‭ ‬التمور،‭ ‬بل‭ ‬كذلك‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬التقليدية‭ ‬الحرفية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬صناعة‭ ‬البشوت‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬أيقونة‭ ‬ثقافية‭ ‬بارزة‭.‬

هذه‭ ‬المفاهيم‭ ‬في‭ ‬التنافسية‭ ‬والارتقاء‭ ‬المستمر‭ ‬بالجودة‭ ‬صَنعت‭ ‬في‭ ‬الأحساء‭ ‬اقتصادا‭ ‬تقليديا‭ ‬لم‭ ‬يشق‭ ‬له‭ ‬غبار‭ ‬في‭ ‬منطقته‭ ‬في‭ ‬حقبة‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬النفط‭. ‬الإرث‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للأحساء،‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬النظرية‭ ‬والتطبيق،‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬إشراقا‭ ‬وحذقا‭ ‬في‭ ‬حقبة‭ ‬رؤية‭ ‬المملكة‭ ‬2030‭ ‬عن‭ ‬إشراقة‭ ‬ما‭ ‬يختزنه‭ ‬جوفها‭ ‬من‭ ‬موارد‭ ‬هيدروكربونية،‭ ‬فالنشاط‭ ‬السياحي‭ ‬على‭ ‬أشده،‭ ‬والاهتمام‭ ‬بالتصنيع‭ ‬الزراعي‭ ‬آخذ‭ ‬في‭ ‬التنامي،‭ ‬وهكذا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الاحساء‭ ‬واحة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المتنوع‭ ‬بكل‭ ‬قطاعاته‭ ‬ونشاطاته،‭ ‬يبقى‭ ‬أن‭ ‬نأخذ‭ ‬التصنيع‭ ‬والتحول‭ ‬الرقمي‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬استخدام‭ ‬الذكاء‭ ‬الصناعي‭ ‬للمستوى‭ ‬التالي‭. ‬ويمكن‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أن‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الإنتاجية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الأتمتة‭ ‬الذكية‭ ‬للعمليات‭ ‬بما‭ ‬يؤدي‭ ‬لتحسين‭ ‬استخدام‭ ‬الموارد‭ ‬والتنبؤ‭ ‬بالمخاطر‭ ‬ليضيف‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬1‭.‬5‭ % ‬و3‭ % ‬إلى‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬غير‭ ‬النفطي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رفع‭ ‬الكفاءة‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬الهدر،‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الزراعي‭ ‬التقليدي‭ ‬والتوسع‭ ‬في‭ ‬الزراعة‭ ‬الرأسية‭ ‬للمحاصيل‭ ‬ذات‭ ‬القيمة‭ ‬العالية،‭ ‬وفي‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬بأن‭ ‬يتخذ‭ ‬مبادرة‭ ‬للتحول‭ ‬إلى‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والاستثمار‭ ‬فيه‭ ‬ولاسيما‭ ‬في‭ ‬مراكز‭ ‬الطاقة‭ ‬ومصانع‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬حيث‭ ‬تتوافر‭ ‬العناصر‭ ‬الضرورية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الموقع‭ ‬والامتداد‭ ‬الجغرافي‭ ‬وتوفر‭ ‬مصاد‭ ‬الطاقة‭ ‬والموارد‭ ‬البشرية‭ ‬المدربة‭ ‬والقابلة‭ ‬للتدريب‭ ‬لإعادة‭ ‬التأهيل‭.‬

‭*‬مؤسس‭ ‬مركز‭ ‬جواثا‭ ‬الاستشاري