خليجنا بين الحرب والسلام
| رضي السماك
على مدى ثمانية عقود من القرن العشرين تخللتها حربان عالميتان مدمرتان، الأولى (1914 - 1918) والثانية (1939 - 1945) وكانت أخطرهما، حيث شهدت خاتمتها أول استخدام للسلاح النووي في التاريخ على يد الولايات المتحدة. ومع ذلك نعِم خليجنا العربي بالسِلم من شرور تلكما الحربين إلى حد كبير، اللهم بعض شظايا الحرب الأخيرة، على يد إيطاليا إحدى دول المحور، كالتي كادت تطال مصفاة البحرين، لكنها فشلت في هدفها. وحتى رغم أن دولنا العربية الخليجية كانت طرفًا في الحرب العربية الإسرائيلية الثالثة، حرب أكتوبر 1973، سواء لوجود بعض جيوشها على الجبهة المصرية، أو لقطع الدول العربية النفطية قاطبة النفط عن الغرب، فقد ظلت بحيرتنا الخليجية تنعم بالسلام، لكن ما إن انتهى العقد الثامن، حتى بدأت هذه البحيرة الآمنة التي ترفل بالأمن والاستقرار لعقود طويلة تشهد عدة حروب متعاقبة: الحرب العراقية الإيرانية (1980 - 1988)، حرب التحالف الدولي لتحرير الكويت من الغزو العراقي عام 1991، حرب الغزو الأميركي للعراق بذريعة امتلاكه أسلحة كيماوية عام 2003، حرب الضربات الأميركية الإسرائيلية ضد إيران التي استمرت طوال 12 يومًا العام الماضي 2025، وقد تأثرت - كما هو معلوم - بعض دول مجلس التعاون بشظاياها، كما حدث لدولة قطر، ناهيك عن التأثيرات الاقتصادية الطارئة التي طالت أسواق الأسهم.
وفي ظل التهديدات الأميركية الإسرائيلية المتصاعدة بتوجيه ضربات جديدة ضد طهران، فإنه على حد تعبير الكاتب اللبناني الشهير سمير عطا الله في عموده اليومي في صحيفة الشرق الأوسط السعودية في عشرين فبراير الجاري: “لكن ثمة فريقًا واحدًا لا يريد هذه المظاهر من الرعب والخوف: الناس.
الناس في كل مكان يهددها الخوف مما يمكن أن يحدث، لكن لا أحد يستمع إلى دقات قلبها المتسارعة، جميع الزعماء ذاهبون إلى الحرب وجميع الشعوب يعرفون أنها كارثة إذا خسرت وإذا ربحت وإذا بقيت معلقة لا ربح ولا خسارة”.
واللافت في ازدياد لغة التهديدات الأميركية لإيران اتهامها بامتلاك صواريخ عابر للقارات تهدد أوروبا والولايات المتحدة! وهذا التصريح يأتي قبيل ساعات فقط من مفاوضات الجولة الحاسمة (ظهر اليوم الخميس حيث نكتب هذه السطور). وبغض النظر عن آخر التحليلات التي ذهبت بتراجع الرئيس الأميركي عن خيار الضربة، واسعة كانت أم محدودة، وأنه بات يشعر بمأزق أوقع نفسه فيه، فإنه لا يمكننا إلا أن نأخذ تلك التهديدات محمل الجد، سيما في ظل التحشيدات العسكرية البحرية الأميركية الكبيرة المتسارعة والمتزايدة في المنطقة التي وُصفت بأنها غير مسبوقة منذ 2003.
واللافت أيضًا في ظل هذه الاندفاعة الأميركية الجنونية غير المدروسة، أنها تجري بمعزل تام عن أي دور للأمم المتحدة والمجتمع الدولي، بل وعن أي دور فني تقني للوكالة الدولية للطاقة الذرية ومديرها رافايل ماريا غروسي، حتى مع تشكيك طهران في نزاهته. وإذ تقوم إحدى دول مجلس التعاون، ألا وهي سلطنة عُمان الشقيقة بدور الوساطة المحمودة بين طهران وواشنطن، فإنه يُنتظر من المجلس تكثيف أقصى جهوده للحيلولة دون اندلاع حرب غير مأمونة العواقب، خصوصًا إذا ما تذكرنا الحكمة الشهيرة “إذا النار اشتعلت في بيت جارك فاخذر أن تصل إليك”، أو المثل المصري”إذا النار في بيت جارك، حضّر المية لدارك”. كما من الأهمية القصوى أن يكون لمثقفي وأدباء الخليج كلمة وتوظيف أقلامهم لاستغلال أقصى هوامش حرية التعبير الممكنة. لقد خاضت الولايات المتحدة حروبها الخارجية بعيداً أن تتأثر أراضيها وعمرانها بها، على عكس الاتحاد السوفييتي السابق إحدى القوتين العظميين زمن الحرب الباردة، فلأنه ذاق ويلات حربين عالميتين، وفقد عشرات الملايين من الأرواح ناهيك عن الدمار الواسع الذي لحق بعمرانه، فإن ذلك كله كاف لأن يتعلم الدرس وأن تصدر عن أندريه جروميكو، أشهر وأطول وزير خارجية في العهد السوفييتي مدة في منصبه: “عشر سنوات من المفاوضات أفضل من يوم واحد حرب” وهي مقولة ذهبية لطالما كررناها ونكررها، لكنها حكمة للأسف ما فتئت ضائعة في البرية لا تعبأ بها الاندفاعة الأميركية الإسرائيلية إذا ما شرع البيت الأبيض في تنفيذ تهديده.
كاتب بحريني