دور المحتوى المحلي في تعزيز التنويع الاقتصادي وخلق فرص عمل.. شركتا “البا” و “جيبك” نموذجا
| خالد عبدالله المرباطي
يمثّل المحتوى المحلي ركيزة أساسية في مسار التنويع الاقتصادي وخلق فرص عمل مستدامة، لاسيما في الدول التي تسعى إلى تقليل الاعتماد على الموارد التقليدية وتعزيز دور القطاعات الإنتاجية. وفي مملكة البحرين، يتكامل هذا التوجه مع مستهدفات رؤية البحرين الاقتصادية 2030 التي أكدت مبادئ الاستدامة والتنافسية والعدالة، وركّزت على رفع الإنتاجية، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتنمية رأس المال البشري، وزيادة مساهمة القطاعات غير النفطية وعلى رأسها الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي. إن تعظيم المحتوى المحلي يُعد أداة عملية لتحقيق هذه المستهدفات، إذ يسهم في إبقاء جزء أكبر من الإنفاق داخل الاقتصاد الوطني، ويعزز سلاسل الإمداد المحلية، وينقل المعرفة والتقنيات، ويخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة للكوادر البحرينية. ومن هنا، يصبح المحتوى المحلي عنصرًا استراتيجيًا في ترجمة الرؤية الاقتصادية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع. وتبرز شركة ألمنيوم البحرين (البا)، كونها من أكبر مصاهر الألمنيوم في العالم، كنموذج وطني بارز في هذا المجال. فقد أسهمت في تحفيز الصناعات التحويلية المرتبطة بالألمنيوم، مثل مواد البناء والكابلات وقطع الغيار، كما اعتمدت بشكل متزايد على الموردين المحليين في الصيانة والخدمات الهندسية والنقل. هذا التوجه لم يرفع القيمة المضافة للاقتصاد فحسب، بل أسهم في بناء قاعدة صناعية متكاملة، وتوفير فرص عمل، وتعزيز نقل الخبرات الفنية إلى الكفاءات الوطنية. أما شركة الخليج لصناعة البتروكيماويات (جيبك)، فقد لعبت دورًا مهمًا في دعم الصناعات البتروكيماوية كأحد محركات التنويع الاقتصادي. ومن خلال التعاون مع شركات محلية في الخدمات الصناعية والدعم الفني، والاستثمار المستمر في تدريب وتأهيل البحرينيين، ساهمت في تطوير قاعدة صناعية متقدمة وقوى عاملة مؤهلة، بما ينسجم مع أهداف رؤية البحرين الاقتصادية 2030 في تمكين الكفاءات الوطنية ورفع مستوى الإنتاجية. وفي الإطار المؤسسي، جاءت استراتيجية قطاع الصناعة 2022 - 2026 لتعزيز مساهمة القطاع الصناعي في الاقتصاد الوطني، من خلال جذب الاستثمارات، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الصادرات. ومع اقتراب انتهاء هذه الاستراتيجية هذا العام، تبرز أهمية أن تتضمن الاستراتيجية الصناعية الجديدة توجهًا أكثر وضوحًا وقوة نحو تعميق المحتوى المحلي، عبر وضع مستهدفات كمية لنسب المشتريات المحلية، وتطوير برامج وطنية لتأهيل الموردين، وربط الحوافز الصناعية بمستوى القيمة المضافة داخل البحرين. ورغم النجاحات المتحققة، ما تزال هناك تحديات، من أبرزها محدودية قدرات بعض الشركات الوطنية على تلبية المتطلبات الفنية المتقدمة، ونقص بعض التخصصات التقنية الدقيقة، إضافة إلى المنافسة السعرية مع الموردين الأجانب، والتسارع التكنولوجي الذي يتطلب تحديثًا مستمرًا للمهارات. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تعزيز الشراكة بين القطاع الصناعي والمؤسسات التعليمية لتطوير تخصصات تتوافق مع احتياجات السوق، وتقديم حوافز ودعم فني للشركات الصغيرة والمتوسطة لرفع جهوزيتها، وإنشاء برامج منهجية لنقل المعرفة والتكنولوجيا. كما أن تحديث رؤية البحرين الاقتصادية 2030 يجب أن يتضمن تركيزًا أقوى على المحتوى المحلي كمؤشر أداء رئيسي، بما يعزز استدامة الأثر الاقتصادي للإنفاق الصناعي والاستثماري. إن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مبادرات فردية ناجحة إلى سياسة وطنية متكاملة للمحتوى المحلي، تجعل منه محورًا أساسيًا في الاستراتيجية الصناعية القادمة، وأداة فاعلة لتحقيق تنويع اقتصادي أعمق وفرص عمل نوعية. ويؤكد نموذجا البا وجيبك أن الاستثمار في المحتوى المحلي ليس خيارًا تكميليًا، بل مسار استراتيجي لبناء اقتصاد بحريني أكثر صلابة واستدامة.