سفينة نوح الرقمية.. هل يلفظ التاريخ الجنس البشري؟

| ياسر سليم

حين قام سام ألتمان قبل يومين بالمقارنة بين الطاقة اللازمة لتدريب نموذج ذكي، والطاقة التي يستهلكها الإنسان عبر سنوات تنشئته وتعليمه، لم يكن يقدّم رقماً تقنياً فحسب، بل كان – من حيث يدري أو لا يدري – يعيد صياغة سؤال القيمة ذاته: كم يكلّف الإنسان؟ وكم يربح العالم من وجوده؟  هكذا، في لحظة خاطفة، انزلق الكائن الذي كان يُعدّ “غاية في ذاته” إلى خانة “وحدة كربونية” تُقاس جدواها بمؤشرات الأداء. لسنا هنا أمام تطور تقني عابر، بل أمام تحوّل في البوصلة الفلسفية. فالوعي، الذي اعتُبر تاج الوجود، صار يُنظر إليه أحياناً بوصفه بطئاً بيولوجياً؛ والمشاعر، التي شكّلت جوهر الفنون والأخلاق، تُتهم بأنها تشويش على صفاء الحسابات. فهل أصبح الحزن والرحمة والتردّد عيوباً تصميمية في كائن كان يُفترض أنه أسمى الكائنات؟ وهل تُختزل “الحياة الكريمة” في القدرة على منافسة الخوارزمية في السرعة والدقة وخفض التكلفة؟ لقد قامت الرأسمالية تاريخياً على تحويل الجهد الإنساني إلى طاقة قابلة للتبادل.  العامل لم يكن يُشترى كإنسان، بل كقوة عمل.  غير أن الآلة اليوم لا تكتفي بتكرار اليد، بل تحاكي العقل ذاته.  وهنا يطلّ التناقض البنيوي: إذا كانت الأرباح تولد من استغلال العمل البشري، فكيف يُستدام نظام يستبدل مصدر فائض القيمة بمصدر صامت لا يطالب بأجر ولا يضرب عن العمل؟  من سيشتري السلع التي تنتجها المصانع المؤتمتة إذا كان البشر خارج دائرة الدخل؟ إنها مفارقة “الرأسمالية بلا عمّال”: وفرة إنتاجية هائلة تقابلها هشاشة استهلاكية خانقة.  فالسوق ليس خوارزمية، بل بشرٌ يتنفسون ويأكلون ويحلمون.  وإذا انكمش دور الإنسان إلى هامش النظام، فإن الرأسمالية التقنية قد تنجح في الإنتاج، لكنها قد تفشل في إيجاد مجتمع يبرر وجودها، اقتصاد يكتفي بذاته، ويدور في حلقة مغلقة بين خوادم تستهلك الطاقة وتنتج القيمة الرقمية، دون حاجة إلى جمهور حيّ. في هذا السياق، تتكاثف تصريحات أقطاب التكنولوجيا. يتحدث بيتر ثييل عن تجاوز الحدود البشرية، ويراهن اليكس كارب على تفوق أنظمة الذكاء في إدارة التعقيد العالمي.  غير أن الوجه الآخر لهذه الرؤية يهمس بسؤال مقلق: إذا امتلكت نخبة ضيقة مفاتيح التقنية والموارد، فهل تبقى الكتلة البشرية ضرورة استراتيجية؟  لم تعد الجيوش التقليدية معيار القوة، ولا المصانع الكثيفة العمالة شرطاً للنمو. فماذا لو رأت “العشرة آلاف” المتحكمة في العالم، أن ثمانية مليارات إنسان فائض ديموغرافي؟ هنا يلوح شبح “الإقصاء البيولوجي”: عالم يتجه إلى إقطاع تقني مغلق، حيث تُحتكر المعرفة والطاقة والقرار. تتحول الأغلبية إلى عبء بيئي في خطاب بارد، وتُعاد صياغة السياسة بلغة الكفاءة لا العدالة. (اقرأ المقال كاملا بالموقع الإلكتروني) وفي أقصى السيناريوهات، قد يُتصوَّر استبدال البشر بأنظمة آلية تستهلك وتنتج في دورة مكتفية بذاتها، بلا احتجاج ولا مطالب. غير أن التاريخ ليس خوارزمية حتمية. فكما قاوم الإنسان اختزاله إلى رقم في سجلات المصانع، يمكنه أن يقاوم اختزاله إلى حملٍ على الشبكات.  التحدي ليس في إيقاف التقنية، بل في إعادة تعريف الاقتصاد نفسه: أن يكون الإنتاج في خدمة الكرامة، لا العكس؛ وأن تُقاس القيمة بعمق الأثر الإنساني، لا بسرعة المعالجة. إن تعبير “سفينة نوح الرقمية” لا يعبر عن قدر مكتوب، بل استعارة تحذيرية. إما أن نبني سفينة تنقذ النخبة وحدها وتترك الكثرة تغرق في بطالة الوجود، أو نعيد تصميم السفينة بحيث تتسع للإنسان بوصفه كائناً أخلاقياً، لا مورداً مستهلكاً.  المسألة لم تعد جدلاً بشأن الأجر، بل بشأن الوجود ذاته: هل سيبقى الإنسان مركز المعنى، أم يصبح هامشاً في تاريخ تكتبه الآلة؟

كاتب‭ ‬مصري‭ ‬وخبير‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الرقمي