توزيع الخوف مع اليأس

| غسان الشهابي

قصة تعود إلى أكثر من ربع قرن في إحدى المؤسسات، حيث سرت شائعة أن رئيس المؤسسة قام بزرع مايكروفونات في جميع المكاتب حتى تسجل كل ما يدور بين الموظفين، وأن هناك غرفة خاصة للاستماع والتفريغ، وبها موظفون لا أحد يعلمهم، ولا يظهرون للعلن، إذ يأتون قبل وصول الموظفين، ويتسللون بعدهم بشكل سرّي! ذات يوم وأنا أتحدث إلى أحد مدراء هذه المؤسسة في مكتبه، قام بإغلاق فمه بيد، وأشار إلى السقف باليد الأخرى، إشارة إلى وجود من يسجل، وكتب لي على ورقة “لنتحدث خارج المكتب”، فجأة تهاوى الرجل من عيني وانجرحت صورته ووقاره إذ صدّق هذه الشائعة السخيفة التي أنتجت عددًا من المواقف الكوميدية جعلت بعض الموظفين يتعمدون رفع أصواتهم تسبيحًا بأفضال رئيس المؤسسة، وأمجاده، ولولاه لما وصلت المؤسسة إلى ما وصلت إليه، ربما أمل بعضهم أن يسمعه من يسمع فيوصل الرسالة إلى رأس المؤسسة فيكون له مكان علي، أو أن بعضهم يقوم بهذا الفعل بشكل تمثيلي كوميدي. والموظفون بين مصدّق ومكذّب، لم يتساءلوا: متى رُكّبت هذه المعدّات؟ وكم عدد من سيتنصّت على العشرات من الموظفين؟ وما الفائدة العظيمة التي ستنتج عن ترصّد موظفين اعتياديين يفضفضون لبعضهم؟! وأيّة إدارة عليا فوق هذا الرئيس ستسمح له بأن يسخّر مقدّرات المؤسسة ليتتبع ما يقوله موظفوه فيه؟ إذا كان هذا الأمر قبل سنوات في واحدة من المؤسسات، فاليوم الناس كذلك - في كلّ مكان - كلما أرادوا قول شيء خافوا من هواتفهم، ونقلوها إلى غرفة بعيدة، وأوصى بعضهم بعضًا ألا يصارحوا ولا يصرّحوا ولا يعبّروا عما في أنفسهم، أخذًا بقول الشاعر: “وعلى نفسك من نفسك حاذر”. فلا أحد يدري قدرات هذه الهواتف على نقل ما نتهامس به إلى بلدان بعيدة، وأجهزة ترصدنا وتحيك المؤامرات ضدّنا ونحن عنها غافلون!  بعد مضيّ كل هذه الأعوام، لم أعلم من الذي أطلق شائعة تلك المؤسسة: أهو الرئيس وأصحابه أم خيالات الموظفين؟! ولكنها نجحت في بثّ الرعب، وإسكات كل من في رأسه حوار يريد طرحه، ودجّنت الناس - ولو لبضع سنوات - على ألا ينبسوا بأي رأي خاص، فالقول ما قاله رئيسهم، لينتقل الخوف اليوم من التواجد في “مؤسسة” إلى تواجد المؤسسات فينا.

* كاتب بحريني