حين يفقد المهم وزنه
| د.حورية الديري
نقف اليوم أمام قضية واقعية تلامسنا جميعًا، قضية وفرة المعلومات وفيضها المتدفق الذي يضعنا نحن البشر أمام سيل لا ينقطع من القضايا والآراء والتفسيرات.. وإذ لا يلغي هذا التدفق من المعنى شيئًا، إنما يضعه في منافسة دائمة مع غيره، حتى يصبح كل شيء حاضرًا بالدرجة نفسها من الإلحاح، وكل موضوع مستحقًا للاهتمام بالقدر ذاته، وبذلك ومع مرور الوقت، يتآكل الإحساس بالفروق الدقيقة التي تمنح الأشياء قيمتها، ويغدو التمييز بين الجوهري والعابر مهمة شاقة في ظل هذا التزاحم. وهنا تكمن الإشكالية في ضعف المساحة التي نمنحها للفهم، فالعقل، حين يُعرض عليه هذا الكم من الرسائل يوميًا، يميل إلى الاختزال السريع حفاظًا على طاقته. نقرأ العناوين، نكوّن انطباعات أولية، ثم ننتقل إلى غيرها قبل أن تتشكل صورة مكتملة وهكذا يتكوّن نمط من الوعي السريع، يمر على الأحداث دون أن يستقر فيها، ويكتفي بالملامسة بدل المعايشة. في هذه الحركة المتتابعة، يتراجع العمق والسبب يكمن في أن الإيقاع العام لم يعد يمنحه زمنه الطبيعي، والأثر يبدأ يظهر في المجال العام وفي داخل الإنسان نفسه. فحين تتزاحم القضايا أمامه بلا فواصل، يعتاد التلقي السريع، ويخفت انفعاله تدريجيًا، وقد يتأثر للحظة بخبر مؤلم، ثم يدفعه خبر آخر إلى الخلف، وقد يتحمس لفكرة ثم تتلاشى تحت وطأة فكرة جديدة. هذا التبدل المتسارع يخلق إرهاقًا إنسانيًا صامتًا، ونوعًا من البلادة غير المقصودة التي تنشأ من كثرة التعرض وقلة التمهل، ومع الوقت، يفقد الألم خصوصيته، كما يفقد الفرح قدرته على الامتداد. وفي زمن الوفرة، تصبح القدرة على الترتيب فضيلة ثقافية، ويغدو التركيز فعلًا حضاريًا يحمي الإنسان من التشتت، فتعدد المعاني لا يبدو خطرًا ولكن المشكلة في تساويها داخل وعينا، فحين نستعيد معيار التفريق بينها، نستعيد معه وزن المعنى وعمق الحضور الإنساني في عالم يمضي بسرعة أكبر من قدرتنا على التأمل. وبذلك كله يبرز سؤال المعايير: كيف نعيد للأشياء أوزانها؟ من هنا يكمن الحل.. وهو في استعادة القدرة على الفرز الواعي بين ما يستحق البقاء في دائرة الاهتمام وما يكفيه المرور العابر. * كاتبة وأكاديمية بحرينية