“الهوية” بيننا وبينهم!
| كمال الذيب
قال الصديق: طالعت أكثر من مقالة خلال الفترة الماضية تتحدث عن الهوية، ولكن أغلب ما طالعته يتحدث عن الهوية وكأنها معطى مطلق ونهائي، وهذا غير صحيح، فالهوية لم تحسم بشكل كامل حتى في البلاد المصنفة ديمقراطية ومتقدمة. ولذلك يظل الجدل بشأنها قائمًا، تزامنًا مع التحولات التي تشهدها هذه المجتمعات. لذلك، وحتى إن سلمنا بوجود هوية مكتملة وجاهزة، فإن السؤال: أي معنى لهذه الهوية في ظل المتغيرات التي يشهدها العالم من حولنا؟ قلت للصديق: أتفق معك في أن الهوية ليست معطى مطلقًا ونهائيًّا، إنها سيرورة اجتماعية وتاريخية متنامية، في حالة تكوِّنٍ مستمر تخضع للتراكم الزمني وتراكم تجارب المجتمعات وتفاعلها مع الأحداث التاريخية ومع الآخر. لذلك فالهوية المتشبثة بالماضي وسردياته فقط، محكوم عليها بالاندثار، في حين أن الهوية الحيّة تكون بالضرورة نامية متطورة وتمتلك القدرة على استيعاب العصر ومستجداته. إلا أن هذا الموضوع بالغ التعقيد، ولا تزال معارك السرديات في معظم البلاد العربية تدور حوله، ولا تزال التيارات الفكرية والسياسية والدينية المختلفة تعيش صراعا معلنا حوله، وذلك بسبب عدم حدوث أي تطور حاسم في بنية الدولة الوطنية العربية، وعدم قدرتها على الحسم، بعكس التطور الحاصل في الغرب، والذي هو ثمرة مخاض طويل من ثورات تنويرية وصناعية مؤثرة، أنتجت “هوية قانونية سياسية جامعة”، تقوم على المواطنة وليس على الانتماء الديني أو العرقي، فتكون الهوية هنا غير مؤثرة على حقوق المواطنة والتزاماتها.. وبذلك تجاوزت الانقسامات التقليدية بالتركيز على ما يجمع المواطنين عبر العقد الاجتماعي والقانوني بالدرجة الأولى. فالهوية عندهم مستمدة من ثوابت الدستور والقانون التي تحدد الهوية السياسية - الاجتماعية للمواطن، وتبقى الهوية الثقافية مرنة تستوعب التنوع الموجود في المجتمع. وفي المقابل فإن معظم الدول العربية، لا تزال الهوية الوطنية فيها تتداخل مع الهوية الدينية والعرقية والطائفية والقبلية والمناطقية، وسمتها الأساسية التمسك بالماضي بوصفه مصدر الفخر والأمان، وأحيانًا إبداء الرغبة في انتقاء ما يمكن الاستفادة منه من الحداثة الغربية لضمان التقدم التقني والاقتصادي. فالهوية هنا لا علاقة لها في الغالب بالجانب القانوني - السياسي المؤسس للمواطنة، بل بالدين واللغة والطائفة...، ويكون التعصب في الغالب عنصرًا أساسيًّا مقاومًا لأي توحد شامل قائم على فكرة المواطنة المتساوية.
* كاتب وإعلامي بحريني