كلمة رئيس التحرير

يوم التأسيس.. جذور راسخة ووحدة مصير

| زهير توفيقي

في‭ ‬مناسبة‭ ‬يوم‭ ‬التأسيس‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬الشقيقة،‭ ‬نقف‭ ‬بكل‭ ‬التقدير‭ ‬والاحترام‭ ‬أمام‭ ‬ذكرى‭ ‬تاريخية‭ ‬مفصلية‭ ‬أرست‭ ‬دعائم‭ ‬دولة‭ ‬قامت‭ ‬على‭ ‬الوحدة‭ ‬والاستقرار‭ ‬وترسيخ‭ ‬الهوية،‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬وضع‭ ‬الإمام‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬سعود‭ ‬–‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬–‭ ‬اللبنة‭ ‬الأولى‭ ‬للدولة‭ ‬السعودية‭ ‬قبل‭ ‬ثلاثة‭ ‬قرون،‭ ‬لتتواصل‭ ‬المسيرة‭ ‬جيلًا‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭ ‬حتى‭ ‬غدت‭ ‬المملكة‭ ‬اليوم‭ ‬نموذجًا‭ ‬للدولة‭ ‬الراسخة‭ ‬ذات‭ ‬الحضور‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي‭ ‬المؤثر‭.‬

إن‭ ‬يوم‭ ‬التأسيس‭ ‬بالنسبة‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬“البلاد”‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مناسبة‭ ‬وطنية‭ ‬سعودية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬محطة‭ ‬نستحضر‭ ‬فيها‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬جسدتها‭ ‬مسيرة‭ ‬الدولة‭ ‬السعودية؛‭ ‬التلاحم‭ ‬بين‭ ‬القيادة‭ ‬والشعب،‭ ‬والاعتزاز‭ ‬بالإرث‭ ‬التاريخي‭ ‬والثقافي،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التجدد‭ ‬ومواكبة‭ ‬العصر‭ ‬دون‭ ‬التفريط‭ ‬في‭ ‬الثوابت‭. ‬وهي‭ ‬رسالة‭ ‬بالغة‭ ‬الأهمية‭ ‬للأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬المملكة،‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬البناء‭ ‬الحقيقي‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬الجذور‭ ‬الراسخة،‭ ‬وأن‭ ‬الطموح‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬إلا‭ ‬بالإرادة‭ ‬والعمل‭ ‬والإيمان‭ ‬بالوطن‭.‬

ومنذ‭ ‬التأسيس‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬تميزت‭ ‬الدولة‭ ‬السعودية‭ ‬بملامح‭ ‬واضحة‭ ‬انعكست‭ ‬على‭ ‬نهضتها‭ ‬ومكانتها،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬وحدة‭ ‬الصف،‭ ‬وقوة‭ ‬المؤسسات،‭ ‬والوضوح‭ ‬في‭ ‬الرؤية،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬التحولات‭ ‬الكبرى‭ ‬بثقة‭. ‬وقد‭ ‬تجسدت‭ ‬هذه‭ ‬الروح‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬“رؤية‭ ‬2030”‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬نقلة‭ ‬نوعية‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬التنمية،‭ ‬عبر‭ ‬تنويع‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬وتمكين‭ ‬الشباب‭ ‬والمرأة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬جودة‭ ‬الحياة،‭ ‬والانفتاح‭ ‬الثقافي‭ ‬والسياحي،‭ ‬بما‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬مكانة‭ ‬المملكة‭ ‬وثقلها‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي‭ ‬والدولي‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬يوم‭ ‬التأسيس‭ ‬يرسّخ‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬العربي‭ ‬أن‭ ‬الاستقرار‭ ‬ليس‭ ‬وليد‭ ‬الصدفة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ثمرة‭ ‬مشروع‭ ‬دولة‭ ‬ممتد‭ ‬عبر‭ ‬الزمن،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬وضوح‭ ‬الرؤية‭ ‬وصلابة‭ ‬المؤسسات‭ ‬والالتفاف‭ ‬الشعبي‭ ‬حول‭ ‬القيادة‭. ‬وهذه‭ ‬المعادلة‭ ‬التي‭ ‬نجحت‭ ‬فيها‭ ‬الشقيقة‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬منذ‭ ‬بداياتها‭ ‬الأولى،‭ ‬هي‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬تفسر‭ ‬قدرتها‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬قيادة‭ ‬تحولات‭ ‬اقتصادية‭ ‬وتنموية‭ ‬كبرى‭ ‬بثقة‭ ‬واتزان،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬ثوابتها‭ ‬وهويتها‭ ‬الأصيلة‭.‬

ولا‭ ‬يمكننا‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬يوم‭ ‬التأسيس‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استحضار‭ ‬عمق‭ ‬العلاقة‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬بشقيقتها‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية؛‭ ‬فهي‭ ‬علاقة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الأطر‭ ‬الرسمية‭ ‬إلى‭ ‬روابط‭ ‬تاريخية‭ ‬واجتماعية‭ ‬وثقافية‭ ‬متداخلة،‭ ‬صنعت‭ ‬نموذجًا‭ ‬فريدًا‭ ‬في‭ ‬الأخوة‭ ‬الصادقة‭ ‬والتكامل‭ ‬الحقيقي‭. ‬قيادةً‭ ‬وشعبًا،‭ ‬يجمع‭ ‬البلدين‭ ‬مصير‭ ‬مشترك‭ ‬ورؤية‭ ‬متقاربة‭ ‬تجاه‭ ‬أمن‭ ‬المنطقة‭ ‬واستقرارها‭ ‬وتنميتها‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬فإن‭ ‬“عام‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير”‭ ‬المرتبط‭ ‬بالاحتفاء‭ ‬بعهد‭ ‬حاكم‭ ‬البحرين‭ ‬وتوابعها‭ ‬سمو‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬طيب‭ ‬الله‭ ‬ثراه،‭ ‬كمرحلة‭ ‬مفصلية‭ ‬رسخت‭ ‬الاستقرار‭ ‬وبناء‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬يُذكّر‭ ‬بتزامن‭ ‬هذه‭ ‬مرحلة‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬مع‭ ‬حقبة‭ ‬تأسيس‭ ‬الدولة‭ ‬السعودية‭ ‬الحديثة‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الملك‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬آل‭ ‬سعود،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬تلاقي‭ ‬مسارات‭ ‬البناء‭ ‬في‭ ‬البلدين‭ ‬الشقيقين،‭ ‬حيث‭ ‬شكّلت‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬بداية‭ ‬ترسيخ‭ ‬كيانات‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الحكمة‭ ‬السياسية‭ ‬والاستقرار‭ ‬والانفتاح‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬معنى‭ ‬وحدة‭ ‬المصير‭ ‬الخليجي‭ ‬وعمق‭ ‬الجذور‭ ‬المشتركة‭. ‬ومن‭ ‬منظور‭ ‬بحريني،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬ينعكس‭ ‬إيجابًا‭ ‬على‭ ‬محيطها‭ ‬الخليجي‭ ‬وفي‭ ‬مقدمته‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬بحكم‭ ‬وحدة‭ ‬المسار‭ ‬وتشابك‭ ‬المصالح؛‭ ‬فالتكامل‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬والتنسيق‭ ‬السياسي،‭ ‬وتعميق‭ ‬الروابط‭ ‬المجتمعية،‭ ‬ليست‭ ‬شعارات‭ ‬ظرفية،‭ ‬بل‭ ‬نهج‭ ‬راسخ‭ ‬تؤكده‭ ‬الوقائع‭ ‬اليومية‭ ‬والتاريخ‭ ‬المشترك‭. ‬ومع‭ ‬تسارع‭ ‬الخطط‭ ‬التنموية‭ ‬في‭ ‬البلدين،‭ ‬تبدو‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬أكثر‭ ‬غنى‭ ‬بالفرص،‭ ‬وأكثر‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬استثمار‭ ‬هذا‭ ‬الرصيد‭ ‬الأخوي‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬استراتيجية‭ ‬تعزز‭ ‬ازدهار‭ ‬الشعبين‭ ‬الشقيقين‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬التعاون‭ ‬البحريني‭ ‬السعودي،‭ ‬ولا‭ ‬يزال،‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬مسارات‭ ‬التنمية‭ ‬والتكامل‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الروابط‭ ‬الشعبية‭ ‬والثقافية‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬الشعبين‭ ‬الشقيقين‭. ‬ومع‭ ‬ما‭ ‬تشهده‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬متغيرات،‭ ‬تزداد‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬التنسيق‭ ‬والتكامل‭ ‬ليشكلا‭ ‬معًا‭ ‬قوة‭ ‬استقرار‭ ‬ونمو‭ ‬في‭ ‬محيطهما‭ ‬الخليجي‭ ‬والعربي‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬المناسبة‭ ‬الغالية،‭ ‬نبعث‭ ‬برسالة‭ ‬تقدير‭ ‬ومحبة‭ ‬إلى‭ ‬الشعب‭ ‬السعودي‭ ‬الشقيق،‭ ‬مؤكدين‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يجمعنا‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬التحديات،‭ ‬وأن‭ ‬مستقبل‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬واعد‭ ‬بمزيد‭ ‬من‭ ‬التعاون‭ ‬والازدهار،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬قيادتين‭ ‬حكيمتين‭ ‬تحرصان‭ ‬على‭ ‬ترسيخ‭ ‬الأخوة‭ ‬وتعزيز‭ ‬مسيرة‭ ‬البناء‭.‬

حفظ‭ ‬الله‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬قيادةً‭ ‬وشعبًا،‭ ‬وأدام‭ ‬عليها‭ ‬أمنها‭ ‬ورخاءها،‭ ‬وحفظ‭ ‬روابط‭ ‬المحبة‭ ‬والتكامل‭ ‬بين‭ ‬الشعبين‭ ‬الشقيقين‭.‬