زبدة القول

عن مكارم الأخلاق: العدل (6)

| د. بثينة خليفة قاسم

العدل، في صورته الإنسانية الأسمى، لا يحتاج إلى منصات قضاء أو قرع مطارق، ولا يستلزم مراجعة نصوص القانون ليُمارس كفعلٍ واقع. إنه ببساطة تلك الومضة في إدراكنا للآخرين، وميزاننا الذي نزن به الأمور حين نكون جزءًا من المشهد لا مجرد متفرجين عليه. العدل فضيلة تُختبر في التفاصيل الهامشية، في الكلمات العابرة، وفي الأحكام التي نطلقها على عجل ثم نمضي في طريقنا وكأن شيئًا لم يكن. إن أشد ما يُنهك روح العدالة هو “ازدواجية المعايير”؛ تلك اللحظة التي نزن فيها أنفسنا بميزان الرحمة، بينما نزن الآخرين بميزان القسوة. نبرر لأنفسنا ما ندين به غيرنا، ونفتش عن الأعذار لنفسر بها سقطات المقربين، بينما نحتفظ بحساب عسير لمن هم خارج دوائرنا الاجتماعية أو العائلية. هنا، لا يكون الظلم صاخبًا أو سافرًا، بل يكون خفيًّا، يتسلل إلى تفاصيل حياتنا اليومية ويقضم قيمنا في صمت. العدل الإنساني ليس تجردًا من المشاعر أو برودًا في العاطفة، بل هو القدرة على الفصل بين الموقف وصاحبه، وبين العاطفة والحقيقة.. إنه الحكم على الفعل لا على الاسم، وعلى السلوك لا على الانتماء. وهو خُلق صعب، لأن الانحياز دومًا أسهل من الاستقامة، ولأن الإنصاف غالبًا ما يتطلب منا التنازل عن وضع مريح، أو رأي شائع، أو امتياز اعتدنا عليه. كثيرون هم الذين يتغنون بالعدل حين يخدم مصالحهم، لكنهم يلوذون بالصمت حين يمسّ ذواتهم. غير أن جوهر العدل الحقيقي يتجلى حين يقف في مواجهة مصلحتنا الشخصية؛ حين يدفعنا للاعتراف بخطأ كان بوسعنا تجاهله، أو التراجع عن رأي صفق له الآخرون. في تلك اللحظة، يتحول العدل من شعار براق إلى فضيلة ثقيلة، لكنها صادقة. تجنب ازدواجيه المعايير لا يتطلب منا أن نكون أبطالًا، كل ما يتطلبه هو أن نكون صادقين مع أنفسنا. أن نسأل قبل إطلاق الحكم: هل كنت سأقول الشيء ذاته لو تبدلت الأدوار؟ هل كنت سأغفر هذا الخطأ لو كنت أنا فاعله؟ هل أطالب الآخرين بما لا أطالب به نفسي؟ هذه الأسئلة البسيطة كفيلة بإعادة التوازن إلى الكثير من المواقف المختلة. في سلسلة “مكارم الأخلاق”، يبرز العدل كمرآة صامتة، لا تُدين أحدًا ولا تشير إلى اسم بعينه، لكنها تكشف الكثير. إنه فضيلة إنسانية خالصة، كلما اقتربنا منها هدأ الضجيج من حولنا، واستقام الميزان، واتسعت مساحة الطمأنينة بين الناس. وعلى خلق آخر، نلتقي.

*كاتبة وأكاديمية بحرينية