التنويع الاقتصادي والتحول الاجتماعي وسوق العمل (6 - 6)

| عبيدلي العبيدلي

لا‭ ‬يكتمل‭ ‬فهم‭ ‬التنويع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬إذا‭ ‬حُصر‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬انتقالًا‭ ‬في‭ ‬هيكل‭ ‬الإنتاج‭ ‬أو‭ ‬الصادرات‭ ‬فقط؛‭ ‬فالتجربة‭ ‬المقارنة‭ ‬تُظهر‭ ‬أن‭ ‬التنويع‭ - ‬حين‭ ‬ينجح‭ - ‬يُطلق‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬التحولات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬العميقة‭ ‬تتجلى‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل؛‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأحادي‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬“سوق‭ ‬عمل‭ ‬مزدوجًا”‭: ‬شريحة‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬وظائف‭ ‬عالية‭ ‬الأجر‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالقطاع‭ ‬الريعي‭ ‬أو‭ ‬القطاع‭ ‬العام،‭ ‬وشريحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬وظائف‭ ‬منخفضة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬في‭ ‬الأنشطة‭ ‬التقليدية،‭ ‬مع‭ ‬فجوات‭ ‬واضحة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين،‭ ‬وبين‭ ‬الأقاليم،‭ ‬وبين‭ ‬فئات‭ ‬التعليم‭. ‬وعندما‭ ‬تتحرك‭ ‬الدولة‭ ‬نحو‭ ‬التنويع،‭ ‬فإنها‭ - ‬عمليًا‭ - ‬تعيد‭ ‬صياغة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬وفرص‭ ‬العمل،‭ ‬وبين‭ ‬التعليم‭ ‬والمهارة،‭ ‬وبين‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬ودوره‭ ‬في‭ ‬توليد‭ ‬الوظائف‭.‬

تتبدى‭ ‬أولى‭ ‬حلقات‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬الطلب‭ ‬للعمل‭ ‬المنتج؛‭ ‬فالتنويع‭ ‬الحقيقي‭ ‬يدفع‭ ‬نحو‭ ‬قطاعات‭ ‬صناعية‭ ‬وخدمية‭ ‬أعلى‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة؛‭ ‬ما‭ ‬يرفع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬المهارات‭ ‬المتوسطة‭ ‬والعليا،‭ ‬ويقلل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬التوظيف‭ ‬الحكومي‭ ‬بوصفه‭ ‬“صمام‭ ‬أمان”‭ ‬اجتماعيًا‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الانتقال‭ ‬ليس‭ ‬خطيًا؛‭ ‬إذ‭ ‬يتطلب‭ ‬وقتًا‭ ‬تتبدل‭ ‬خلاله‭ ‬أنماط‭ ‬التفضيل‭ ‬المهني،‭ ‬وتتغير‭ ‬تصورات‭ ‬المجتمع‭ ‬عن‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص،‭ ‬وتتطور‭ ‬منظومات‭ ‬التدريب‭ ‬والتأهيل‭. ‬هنا‭ ‬تتقاطع‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬مع‭ ‬سياسات‭ ‬سوق‭ ‬العمل؛‭ ‬لأن‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬الجديدة‭ ‬لا‭ ‬يُترجم‭ ‬تلقائيًا‭ ‬إلى‭ ‬وظائف‭ ‬لائقة‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تُصمم‭ ‬حوافز‭ ‬التوظيف،‭ ‬وبرامج‭ ‬التدريب،‭ ‬وآليات‭ ‬المواءمة‭ ‬بين‭ ‬المهارات‭ ‬والوظائف‭.‬

وتمنح‭ ‬تجارب‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬شواهد‭ ‬ملموسة‭ ‬على‭ ‬أثر‭ ‬التنويع‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬التي‭ ‬اتخذت‭ ‬مسارًا‭ ‬معلنًا‭ ‬لتقليص‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬والإنفاق‭ ‬الريعي؛‭ ‬ففي‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية،‭ ‬تكشف‭ ‬بيانات‭ ‬الهيئة‭ ‬العامة‭ ‬للإحصاء‭ ‬عن‭ ‬ارتفاع‭ ‬ملموس‭ ‬في‭ ‬مشاركة‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬حيث‭ ‬بلغت‭ ‬مشاركة‭ ‬السعوديات‭ ‬في‭ ‬قوة‭ ‬العمل‭ ‬36‭.‬2‭ % ‬في‭ ‬الربع‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬2024،‭ ‬وارتفعت‭ ‬نسبة‭ ‬المشتغلات‭ ‬إلى‭ ‬السكان‭ ‬للسعوديات‭ ‬إلى‭ ‬31‭.‬3‭ % ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬نفسها‭. ‬وتعكس‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬تحولًا‭ ‬تشريعيًا‭ ‬أو‭ ‬تنظيميًا،‭ ‬بل‭ ‬تحولًا‭ ‬اجتماعيًا‭ ‬أوسع‭ ‬يتصل‭ ‬بتغير‭ ‬أنماط‭ ‬العمل،‭ ‬وتوسع‭ ‬قطاعات‭ ‬الخدمات،‭ ‬وتزايد‭ ‬الطلب‭ ‬لمهارات‭ ‬جديدة‭ ‬داخل‭ ‬السوق‭ ‬المحلي‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬توضح‭ ‬المؤشرات‭ ‬أن‭ ‬التحول‭ ‬الهيكلي‭ ‬لا‭ ‬يضمن‭ ‬بذاته‭ ‬حل‭ ‬تحدي‭ ‬البطالة‭ ‬الوطنية‭ ‬دون‭ ‬سياسات‭ ‬سوق‭ ‬عمل‭ ‬مرافقة؛‭ ‬ففي‭ ‬السعودية‭ ‬أيضًا‭ ‬بلغ‭ ‬معدل‭ ‬بطالة‭ ‬السعوديين‭ ‬7‭.‬8‭ % ‬في‭ ‬الربع‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬2024،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يبرز‭ ‬أن‭ ‬خلق‭ ‬الوظائف‭ ‬يتطلب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نمو‭ ‬القطاعات؛‭ ‬إذ‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬سياسات‭ ‬فعالة‭ ‬لرفع‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬وتحسين‭ ‬قابلية‭ ‬التوظيف،‭ ‬ومعالجة‭ ‬اختلالات‭ ‬الأجور‭ ‬والحوافز‭ ‬بين‭ ‬القطاعين‭ ‬العام‭ ‬والخاص‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬الإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة،‭ ‬فإن‭ ‬اتساع‭ ‬مساهمة‭ ‬القطاعات‭ ‬غير‭ ‬النفطية‭ ‬في‭ ‬الناتج‭ ‬يعكس‭ ‬مسارًا‭ ‬تنويعيًا‭ ‬ينعكس‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬الوظائف‭ ‬ونمو‭ ‬الطلب‭ ‬للمهارات‭. ‬وتفيد‭ ‬بيانات‭ ‬رسمية‭ ‬بأن‭ ‬القطاعات‭ ‬غير‭ ‬النفطية‭ ‬أسهمت‭ ‬بنحو‭ ‬75‭ % ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬2024،‭ ‬فيما‭ ‬أشار‭ ‬تقرير‭ ‬رسمي‭ ‬آخر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الناتج‭ ‬غير‭ ‬النفطي‭ ‬بلغ‭ ‬1‭.‬342‭ ‬تريليون‭ ‬درهم‭ ‬ضمن‭ ‬الناتج‭ ‬الحقيقي‭ ‬للعام‭ ‬2024‭. ‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬كلية،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تُظهر‭ ‬أن‭ ‬التنويع‭ ‬حين‭ ‬يتحقق‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الناتج،‭ ‬فإنه‭ ‬يخلق‭ ‬بيئة‭ ‬أكثر‭ ‬اتساعًا‭ ‬لتوليد‭ ‬وظائف‭ ‬في‭ ‬النقل‭ ‬واللوجستيات،‭ ‬والخدمات‭ ‬المالية،‭ ‬والسياحة،‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬وهي‭ ‬قطاعات‭ ‬ذات‭ ‬أثر‭ ‬اجتماعي‭ ‬مباشر‭ ‬عبر‭ ‬توسعة‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬ورفع‭ ‬فرص‭ ‬الترقي‭ ‬المهني‭.‬

ومن‭ ‬الناحية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬يتيح‭ ‬التنويع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للدول‭ ‬العربية‭ ‬فرصًا‭ ‬مهمة‭ ‬لمعالجة‭ ‬اختلالات‭ ‬تاريخية‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬أبرزها‭: ‬الاعتماد‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬القطاع‭ ‬العام،‭ ‬وضعف‭ ‬الإنتاجية‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص،‭ ‬والازدواجية‭ ‬بين‭ ‬العمالة‭ ‬الوطنية‭ ‬والوافدة،‭ ‬والفجوات‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭. ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬يطرح‭ ‬تحديات‭ ‬انتقالية؛‭ ‬لأن‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬بين‭ ‬القطاعات‭ ‬قد‭ ‬تُحدث‭ ‬مقاومة‭ ‬اجتماعية‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تُصاحبها‭ ‬سياسات‭ ‬حماية‭ ‬اجتماعية‭ ‬وإعادة‭ ‬تدريب‭. ‬ولذلك؛‭ ‬تميل‭ ‬التجارب‭ ‬الأكثر‭ ‬نجاحًا‭ ‬إلى‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬“سياسات‭ ‬تنويع‭ ‬قطاعية”،‭ ‬وبين‭ ‬“سياسات‭ ‬سوق‭ ‬عمل‭ ‬نشطة”،‭ ‬مثل‭ ‬دعم‭ ‬الأجور‭ ‬الموجه،‭ ‬وبرامج‭ ‬التدريب‭ ‬المرتبط‭ ‬بالوظائف،‭ ‬وإصلاحات‭ ‬أنظمة‭ ‬العمل،‭ ‬والتوسع‭ ‬في‭ ‬خدمات‭ ‬رعاية‭ ‬الأطفال‭ ‬وتمكين‭ ‬المرأة،‭ ‬بوصفها‭ ‬أدوات‭ ‬تُترجم‭ ‬التحول‭ ‬الاقتصادي‭ ‬إلى‭ ‬تحول‭ ‬اجتماعي‭ ‬أكثر‭ ‬عدالة‭ ‬واستدامة‭.

ويمكن‭ ‬تعميق‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬عبر‭ ‬رصد‭ ‬ثلاث‭ ‬آليات‭ ‬مركزية‭ ‬يفعّلها‭ ‬التنويع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬العربي‭. ‬وتتمثل‭ ‬الآلية‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬جغرافيًا‭ ‬واجتماعيًا؛‭ ‬فالاقتصادات‭ ‬الأحادية‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬تركّز‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬عواصم‭ ‬أو‭ ‬مناطق‭ ‬محدودة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالقطاع‭ ‬الريعي،‭ ‬بينما‭ ‬يتيح‭ ‬التنويع‭ - ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬الصناعة‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية‭ ‬والسياحة‭ - ‬انتشارًا‭ ‬أوسع‭ ‬للوظائف‭ ‬عبر‭ ‬الأقاليم‭. ‬وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬تجارب‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬المغرب‭ ‬ومصر‭ ‬أن‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الصناعية‭ ‬المتخصصة‭ ‬والمناطق‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬خارج‭ ‬المراكز‭ ‬التقليدية،‭ ‬وإنْ‭ ‬ظلّ‭ ‬الأثر‭ ‬متفاوتًا‭ ‬تبعًا‭ ‬لجودة‭ ‬الربط‭ ‬بالبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والتعليم‭ ‬الفني‭.‬

خلاصة‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬التنويع‭ ‬الاقتصادي‭ - ‬في‭ ‬السياق‭ ‬العربي‭ - ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مشروع‭ ‬اقتصادي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مشروع‭ ‬اجتماعي‭ ‬أيضًا؛‭ ‬فهو‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬قيم‭ ‬العمل،‭ ‬ويغيّر‭ ‬التوقعات‭ ‬المهنية‭ ‬للأجيال‭ ‬الجديدة،‭ ‬ويرفع‭ ‬أهمية‭ ‬المهارة‭ ‬والإنتاجية‭ ‬بوصفهما‭ ‬معيارين‭ ‬للصعود‭ ‬الاجتماعي‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬قياس‭ ‬نجاح‭ ‬التنويع‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬نسب‭ ‬مساهمة‭ ‬القطاعات‭ ‬غير‭ ‬النفطية‭ ‬أو‭ ‬نمو‭ ‬الصادرات،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يشمل‭ ‬مؤشرات‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭: ‬مشاركة‭ ‬المرأة،‭ ‬وتشغيل‭ ‬الشباب،‭ ‬وإنتاجية‭ ‬العمل،‭ ‬وجودة‭ ‬الوظائف،‭ ‬ونسب‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬إلى‭ ‬الخاص‭.‬

 

‭* ‬خبير‭ ‬إعلامي