ماليزيا تربح من اختلافها

| عبدالله بوقس

حلّ رمضان في ماليزيا هذا العام 2026 عقب رأس السنة الصينية مباشرة بلا فسحة زمنية فاصلة، فلم تمر الأسواق بمرحلة هدوء معتادة بين موسم وآخر، بل انتقلت من تجهيز إلى تجهيز آخر بينما بقيت الحركة نفسها تقريباً. قد تكون السلع اختلفت وتبدّلت العروض، لكن وتيرة البيع بقيت ثابتة، فالمشهد لم يكن ذروة استهلاك يعقبها هبوط بل استمراراً متصلاً في الطلب داخل المتاجر والأسواق، وكأن السوق يغيّر موضوعه لا سرعته.

ومن هذا الإيقاع المستمر يتضح أن الذي تغيّر لم يكن سلوك المستهلك الواحد بل تركيبة المشترين. انتهى حضور فئة وبدأ حضور أخرى، بينما بقيت المتاجر تعمل بالوتيرة ذاتها. التاجر الذي خدم احتفالات رأس السنة الصينية أصبح يجهّز مستلزمات رمضان، والمطعم الذي استقبل موائد عائلية صينية بدأ إعداد الإفطارات الجماعية، وشركات التوصيل لم ينخفض نشاطها بل تبدّلت طبيعة الطلب عليها، فالسوق لم ينتظر عودة الزبائن أنفسهم بل استقبل غيرهم فوراً.

ومن تبدّل المشترين دون توقف الحركة تتكوّن القاعدة الأهم، إذ يتحول اختلاف المجتمع إلى تعاقب عملي للطلب. كل مناسبة تملأ الفراغ الذي تتركه الأخرى، فلا يحتاج السوق إلى فترة تعويض إنفاق لأن إنفاقاً مختلفاً يبدأ في اللحظة نفسها تقريباً. هنا يصبح التعايش ممارسة اقتصادية يومية قبل أن يكون فكرة اجتماعية، ويغدو التعامل المتكرر بين الناس آلية تهدئة غير معلنة.

ومن هذا التعاقب يظهر أثر اقتصادي واضح يتمثل في تخفيف الركود بعد الأعياد. ففي كثير من الاقتصادات تنخفض المبيعات بعد موسم كبير لأن الفئة نفسها تقل إنفاقها مؤقتاً، أما في ماليزيا فيكون الهبوط أخف أحياناً عندما تتقاطع فترات إنفاق لفئات مختلفة في الزمن نفسه تقريباً، لا لأن المواسم متصلة دائماً بل لأن بعض السنوات تشهد هذا التداخل. النتيجة ليست زيادة عامة في الاستهلاك بل تراجع أبطأ للحركة التجارية قبل عودتها لاحقاً إلى هدوئها المعتاد.

ومن هذا التراجع الأبطأ لا يتغيّر حجم الطلب فقط بل طريقته أيضاً، فالتاجر لا يوقف الشراء بعد الموسم ولا يكدّس قبله، بل يحافظ على كميات قريبة من المعتاد لأن الحركة لا تنقطع فجأة. وهكذا يصبح التعامل مع السوق ضبطاً لإيقاع يومي أكثر منه انتظار ذروة قصيرة. هذا النمط مألوف أيضاً في الخليج لكن بصيغة زمنية مختلفة، حيث تتوالى مواسم رمضان والعيد والحج والصيف فتعمل قطاعات الضيافة والتجزئة بخط تشغيل شبه مستمر، غير أن الفارق أن الحركة هناك ناتجة عن تتابع الموسم نفسه بينما في ماليزيا تأتي من تعاقب فئات مختلفة في التوقيت ذاته تقريباً.

وخلاصة القول، السوق في ماليزيا لا يستمر رغم التنوع بل به، فاختلاف المجتمع لا يقطع الحركة بل يتناوب على حملها، وعند هذه النقطة يتحول الاختلاف إلى ربح.